المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

طاهر الزهراني Headshot

تخصيب الحياة

تم النشر: تم التحديث:

أتذكر مرة أني كنت مستاء ومحبطاً لدرجة أني أصبحت أشعر بعدم الجدوى..

خرجت من بيتي، وكانت شوارع جدة مزدحمة جدا، وكأنها تكرس تلك الحالة أيضا. وحتى لا يصيبني مثل ما أصاب وليام فوستر في فيلم "السقوط" ركنت سيارتي بجوار مركز تجاري، وهناك دخلت إحدى صالات الترفيه، وقضيت عصر ذلك اليوم في الرماية بالقوس!
ماذا حدث في تلك الصالة، لقد أهدرت كمية هائلة من السخط، والإحباط هناك، ثم خرجت للعالم كائنا آخر، لزمتني حالة من الابتهاج، وأصبحت أنظر للعالم بشكل آخر، بنوع من الود والرغبة في احتضان الجميع.
..
أتذكر أني في المرحلة المتوسطة كنت شغوفا بالرسم، فقد كانت حصة الرسم من أجمل حصص الأسبوع الدراسي،
كانت علاقتي بأستاذ الرسم تجاوزت علاقة أستاذ بتلميذ، بل أصحبت علاقة تقدير بين فنان وفنان يكبره في السن والخبرة.
أذكر أننا كنا نقيم معرضاً سنوياً في تلك المدرسة.
ولا أدري أإخفاقي في آخر سنة في المرحلة المتوسطة، هو رغبة في البقاء، أم هي من تداعيات المرحلة.
الصدمة العنيفة كانت في أول يوم لي في الثانوية، عندما علمت أن مادة الرسم غير مقررة في مناهج المرحلة الثانوية، هناك مواد علمية، ومواد دينية، وأدب يدرس الشعر الجاهلي!
ولا أدري هل إخفاقي في أول سنة في المرحلة الثانوية، بسبب جفاف الدرس، أم بسبب الإحباط، أم لأسباب أخرى.
المهم في تلك الفترة شعرت بنوع من الاغتراب والوحشة، وربما بفضل ذلك الاغتراب والتوحش اتجهت للقراءة، ومقارفة الرسم في بعض الأحيان.
القراءة، بالإضافة لشغفي بالفن ساهما بشكل أو بآخر في حب الحياة وفهمها، وانكببت على القراءة ومحاولة الكتابة، ثم انشغلت بعد ذلك بالوظيفة، والبيت والأولاد، وفقدت نفسي إلى درجة "لا أدري في أي منعطف فقدت الإنسان الذي كنته" كما تقول إيزابيل الليندي.
الآن أفكر في أولادي في محاضن جيدة لهم ، محاضن تزرع في نفوسهم الانطلاق والإبداع، والاستقلال، وحب الحياة، وما يقربهم من الخالق والخلق..
..
أقول هذا ونحن نعيش أياماً قاسية، لقد بلغنا من التوحش أن أحدهم يستدرج أقرب الناس إليه إلى نزهة ليصوب عليه طلقتين في رأسه!
نحن بحاجة لتخصيب الحياة، بحاجة ماسة لملء الفراغ الشاسع، واستغلال المواهب والطاقات، في هذا العالم المتصحّر، نحن بحاجة لأندية رياضية، ومعاهد للفن التشكيلي والخط، والموسيقى، وتدريس الكتابة الإبداعية، أندية فروسية، نحن بحاجة لمعاهد لتعليم الحرف، بحاجة لمعاهد فنية، لإيواء الجيل، لحضنهم، وانتشال حياتهم لتغدو أجمل..
رغبة الإنسان في الهروب في هذه المرحلة هي رغبة مبررة، لكنها دون شك رغبة أنانية.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.