المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

طاهر الزهراني Headshot

المكتبة في السجن

تم النشر: تم التحديث:

قبل عشر سنوات نقل صديقي من قفص في كوبا إلى سجن في الوطن، ماذا سأقدم لصديق في السجن سوى السجائر والكتب، وبما أن صديقي هذا لا يدخن حملت له كتباً في الأدب والثقافة لتزجية الوقت هناك، هذه الكتب كانت مفسوحة من وزارة الثقافة والإعلام، ومصنفة في فهرسة مكتبة الملك فهد الوطنية، إلا أنها منعت من الدخول، وقالوا قد ينظر في الأمر في حال إذا تم ختم هذه الكتب من قبل الدور التي أصدرتها.
بعد ثلاث سنوات خرج صديقي هذا من السجن، وانشغل بالرزق والأسرة. كنت على أمل بأن يخرج من السجن مسكوناً بحب القراءة والكتب، كانت تلك الفترة كفيلة بأن تكوّن علاقة وطيدة مع الكتب، لكن للأسف....
أفكر الآن في بعض الإجراءات التي اتخذتها الدولة مع بعض من يحملون أفكاراً متطرفة، فقد كثفت دور لجان المناصحة، ثم أغدقت عليهم من المال، شراء سيارات، تأمين السكن، القيام بجميع تكاليف الزواج، توفير وظائف، إعطاؤهم مكافآت مالية شهرية، كل هذا قامت به مشكورة وزارة الداخلية، لكن السواد الأعظم من هؤلاء لم تتغير قناعاته وأفكاره، ببساطة لأن الفكر لا يفاوض عليه، ولا يتغير بالمال، «هي أشياء لا تشترى»! نعود للحديث عن السجن، فأقول إن تأهيل السجن بجعله مكاناً حقيقياً للإصلاح يتمثل في خلق بيئة لممارسة معرفية تأملية حقيقية. السجن بيئة خصبة لجني المعرفة، والتأمل، والوقت هو رأس المال الأعظم هناك، وخير ما يستغل به الوقت قضاؤه في المعرفة والتحصيل، والكتب هو المعين الأزلي للمعرفة.
نريد أن تكون المكتبة في السجن أعظم وأكبر مرفق فيه، عالم مفتوح يطل على آفاق الحياة الأرحب، يا له من عمل عظيم أن تخلق من السجناء قراء! تصور أن هذا الشخص الذي تربى على كتب مدرسة دينية مغلقة تتبنى القول والرأي الواحد يكتشف فجأة تأملات علي عزت بيجوفيتش، عمق على شريعتي، تطلعات مالك بن نبي، دراية عبدالوهاب المسيري، فلسفة محمد إقبال..
يرى ماذا فعل الحلم بمانديلا، والطموح بستيف جوبز، وحب الحدود بنور الدين فارح، والإيمان بمحمد علي كلاي، والانحياز للحق بمالكوم إكس. ثم ينهل من معين الأدب، فيشاهد مقارعة من دون كيشوت لطواحين الهواء، وأليم سنوات ضاغجي، وماذا يفعل عمى ساراماغو بالناس، وصراع شيخ همنغواي مع سمكة الحياة، ومشاهدات أمل دنقل للطيور، أغاني نيرودا، رقص الفيلسوف زوربا..
الحديث عن الأثر البطيء للكتب، طويل.. طويل، ومما يؤثر في العملية أن القراءة هي اختيار، لكنه خيار قابل للتأثر بالمحفزات، عندما توضع محفزات للسجين كي يكون قارئاً فسوف يسعى لذلك.
يكفي المكتبة ذلك الوقع المدهش في النفس عندما نرى تلك الرفوف العظيمة مليئة «بزينة الحياة الدنيا» كما كان يقول أحد شيوخي، إنه مشهد في غاية العظمة والأثر، إذا كنت في مكان عام وتحمل في يدك كتاباً فإن هناك شبه تواطؤ على الفضول لرؤية العنوان حتى وإن لم يكن الناظر يحب الكتب، فكيف بحضور المكتبة؟!
أقول بقدر ما يكون المسؤول حريصاً على الإصلاح الحقيقي، بقدر ما يكون الاهتمام بالمكتبة، هذا غير المرفقات الأخرى، كصالات الرياضة، وورش الرسم والنحت، والخط، والسينما، والموسيقى وغيرها من الفنون التي لها أثرها العميق على ترميم الإنسانيّ فينا.
الأفكار ستبقى موجودة، لن تتغير ولن ترحل، إلا بإحداث عملية بطيئة جداً، قائمة على التأمل، والنظر، والعزلة، والبحث عن الحقيقة، والكثير من القراءة وروافد المعرفة، والتجربة، وهذه كلها من أبجديات السجن، فالسجن تجربة أليمة، وفي الوقت ذاته تجربة ثرية وخصبة جداً، إذا حُسن استثمارها، وتم تهيئة المكان والظرف. السجن مكان وأي مكان، رغبتنا الحقيقية أن يكرس فيه أمر عظيم، وهو أن وظيفة الإنسان الأساس التي خلقه الله من أجلها هي العمارة، العمارة الحقيقية في الأرض.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع