المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

طاهر عبد المحسن  Headshot

مشروعية المعاهدات الدولية للنظم الانقلابية (1/4)

تم النشر: تم التحديث:

انقلاب الثالث من يوليو 2013م في مصر نموذجاً

مقدمة لازمة:

يعرف الانقلاب طبقاً للبروفيسور ريتشارد ألبرت في كتابه "الثورات الديمقراطية" بأنه: "استحواذ على السلطة بوسائل غير مشروعة..."، ومن ثم فإن نتيجة أو محصلة أي انقلاب هي اغتصاب المناصب السياسية العليا في الدولة بغير الطريق الديمقراطي لتداول السلطة على النحو الذي رسمه القانون.

وعلى ذلك لا ينكر باحث متجرد ولا متابع منصف أن حقيقة ما حدث في مصر في الثالث من يوليو/تموز لعام 2013م هو انقلاب عسكري على حكم شرعي؛ حيث تدخل الجيش المصري بقوته العسكرية لإنهاء نظام دستوري يديره رئيس مدني منتخب ديمقراطياً، وتم القبض عليه وإخفاؤه في مكان غير معلوم وحل حكومته، كما تم تعطيل الدستور المستفتى عليه شعبياً (65% من جمهور الناخبين أقروه، مقابل 35% رفضوه)، وحل البرلمان الشرعي المنتخب من الشعب (مجلس الشورى)، الذي أقر الشعب بتوليه سلطة التشريع في الدولة المصرية كاملة لحين انتخاب مجلس نواب جديد في أحد الأحكام الانتقالية لدستور 2012م، وهذا هو الانقلاب العسكري مكتمل الأركان في أوضح صوره، دونما اعتداد بالبواعث ومهما كانت أسباب أو مبررات القيام به؛ إذ لو سلمنا بمنطق المخالفين (أصحاب الغطاء السياسي لانقلاب الثالث من يوليو)، فإن شرعية الحاكم يجب أن تنبثق من انتخابه أولاً ثم عدم التظاهر ضده ثانياً..... ما دام حكم الشارع هو الفيصل وليس صناديق الاقتراع، وهو ما لم يقُل به أحد من علماء السياسة أو القانون.

التكييف القانوني الصحيح لما حدث في مصر في الثالث من يوليو لعام 2013م:

في تأصيل بالغ البراعة لتفسير حقيقة ما حدث في مصر في الثالث من يوليو وما واكبه من أحداث تمهيدية، وتكييفه قانوناً يقول أستاذنا المستشار/ طارق البشري (1) ((..... ثم حدثت الحشود المعروفة في 30 يونيو/حزيران، التي توزعت على حركتين سياسيتين شعبيتين متقابلتين، إحداهما ضد المؤسسات السياسية الحاكمة للدولة وهي رئاسة الجمهورية والمجلس الوزاري والمجلس النيابي، والأخرى تدعم هذه المؤسسات. وأياً ما كانت نسبة أرجحية أي من الحركتين على الأخرى، فهما حركتان شعبيتان سياسيتان متقابلتان ليس في مكنة إحداها أن تقضي على الأخرى ولا أن تتجاهلها، ولا يرد مرجح بينهما في ظل نظام دستوري قائم إلا إنفاذ أحكام هذا الدستور بالنسبة لما يستوجبه من انتخابات تجري في مواعيدها، وأولها حسب سياق الأحداث انتخابات مجلس النواب الوشيكة الحدوث التي تتشكل الحكومة وفقا لنتائجها.
وقد أصدر وزير الدفاع والقائد العام في 1 يوليو 2013 بياناً أمهل فيه القوى السياسية 48 ساعة للاتفاق على مخرج من الأزمة، وذكر أن القوات المسلحة ستعلن "خريطة طريق للمستقبل" إذا لـم تتحقـق مطـالب الشعب مـع الإجراءات التي تشرف عليها القوات المسلحة

مقال المستشار طارق البشري "ما معنى الانقلاب العسكري" المنشور بصحيفة الشروق المصرية في 22/07/2013م
بمشاركة أطياف الاتجاهات الوطنية.
خـلال هـذه المـدة، ومنـذ 23 يونيو، تحركت وحدات من القوات المسلحة إلى الأماكن المعدة للسيطرة على المدن المهمة، وذلك باسم حماية المنشآت العامة ومن أهمها طبعاً منشآت الدولة، وذلك طبعاً يجري في إطار ما أورده خطاب وزير الدفاع من أنها حركة تهدف إلى حماية الدولة وهيئاتها ومؤسساتها ونظمها. وكـانت كـل الـوحـدات والمجمـوعـات والأفـراد والمعـدات تتحـرك فـي إطـار هذا الهدف المعلن وهو حماية المنشآت مما قد يحدث من انحرافات بعض المتظاهرين وضمان حماية أجهزة الدولة وهيئاتها، وبحسبان أن ذلك مما يتعلق بالأمن القومي.

ثم فوجئنا في 3 يوليو بخطاب القائد العام الذي أعلن فيه مستنداً إلى حركة الجيش السابقة، أعلن حصول الانقلاب العسكري متمثلاً في تعطيل الدستور وعزل رئيس الجمهورية والإطاحة بالمؤسسات الدستورية القائمة وتعيين رئيس جمهورية مؤقت، ومنحه القائد العام لا سلطة إصدار القوانين فقط، ولكن منحه سلطة إصدار الأحكام الدستورية، واعتقل رئيس الجمهورية الدستوري المنتخب، ثم حل المجلس النيابي.

معنى هذا أن وحدات القوات المسلحة تحركت لحماية الدولة وأجهزتها وهيئاتها ونظمها، ثم استغل هذا الحراك واستخدم لتحطيم أجهزة الدولة وهيئاتها ونظمها، وانعكس توظيف حركة القوات المسلحة من هدف الحماية والإبقاء إلى هدف الهدم والإنهاء، وأن هؤلاء الذين تحركوا بمعداتهم قبل نحو عشرة أيام لم يكونوا يعرفون أي توظيف سياسي ستستخدم حركتهم فيه من جانب قيادتهم.

هذه بالضبط هي أساليب الانقلابات العسكرية، وهى أساليب تجعل من تحركوا إنفاذاً لقرارات قياداتهم ليسوا مسؤولين عن الأهداف السياسية التي حققتها قيادتهم بهذا الحراك.

والثورات الشعبية لا تفعل ذلك؛ لأن كل مشارك فيها من الجماعات والأفراد، إنما شارك وهو يعرف الهدف السياسي الذي ينتج عن حركته وأن الحراك الشعبي السابق في ٣٠ يونيو كان منقسماً بين تيارين شعبيين متعارضين ولم يكن مجتمعا على مطلب واحد كما حدث في ٢٥ يناير/كانون الثاني ٢٠١١)).
وهكذا كان لدينا حشدان على الأرض مؤيد ومعارض، إلا أن عنصر القوة المسلحة التي استخدمها الجيش كانت له كلمة الحسم في ترجيح كفة وزير الدفاع المنقلب على الرئيس الشرعي المنتخب، فنجح الانقلاب وتحقق هدفه. عقب ذلك قام الأدنى وهو وزير الدفاع - جزء من السلطة التنفيذية - بتعيين الأعلى وهو رئيس الجمهورية - رأس السلطة التنفيذية - في شكل من أشكال السطو المسلح على السلطة بالقوة بالمخالفة للقانون في تفسير حرفي لمعنى كلمة "الانقلاب العسكري" وذلك تمهيداً لتولي قائد الانقلاب الرئاسة بنفسه في مرحلة لاحقة.

مدى شرعية استكمال مؤسسات الدولة على قاعدة الانقلاب:

عقب ذلك شرعت إدارة الانقلاب في التمكين لها فقامت بعمل دستور عبر جمعية تأسيسية معينة (لجنة الخمسين)، ثم أجرت انتخابات رئاسية انتخب فيها قائد الانقلاب رئيساً للجمهورية بنسبة بلغت (98%) من أصوات الناخبين وهي نسب لا تتكرر سوى في الأنظمة الشمولية، ثم انتخب مجلس نواب جديد.

هنا لا بد من التأكيد أن كل تلك الاستحقاقات الانتخابية التي تمت بعد الانقلاب تغيب عنها الشرعية وينحسر عنها وصف الانتخابات الحرة الديمقراطية التي عناها القانون، فطبقاً لتعريف الديمقراطية الذي صاغه المفكر الأميركي صموئيل هنتغتون أنها ((نظام يتم من خلاله اختيار القيادات السياسية بانتخابات حرة ونزيهة..... ولا تتم هذه العملية إلا بشرطي المنافسة والمشاركة))؛ لأن من أهم الضمانات الواجب توافرها في أي عملية انتخابية هي أن يكون البرلمان صورة صادقة ومعبرة عن إرادة الجماهير وانعكاساً أميناً للمزاج العام لجموع الناخبين، أي التمثيل الحقيقي للشعب.

والقاصي والداني يعلم أن تلك الانتخابات جميعها كانت أحادية ولم تكن تنافسية على الإطلاق؛ حيث حرم التيار العريض صاحب الفوز في آخر خمسة استحقاقات انتخابية (التيار الإسلامي) من خوضها وغُيب أعضاؤه ما بين شهيد وسجين ومطارد، أما المشاركة الجماهيرية في تلك الانتخابات فقد انعدمت؛ حيث تميزت بالضعف الشديد في الإقبال الجماهيري على النحو الذي تابعه العالم عبر شاشات التلفاز، ولم يكن هنـاك أي وجـه للمقارنـة بين حشـود وطوابـير الناخبين التي انتخبت رئيساً ومجلس نواب 2012م، وبين مثيلتها في 2014م و2015م.

أما من الناحية القانونية فقد وقعت إرادة الناخبين - على قلتها - في الانتخابات التي أعقبت انقلاب الثالث من يوليو في غلط؛ حيث إن استمارة التصويت التي عرضت عليهم بمراكز الاقتراع وأدلوا بموجبها بأصواتهم كان من المفترض أن تضم مرشحاً أو مرشحين آخرين هم من فازوا بآخر خمسة استحقاقات انتخابية قبل الانقلاب، إلا أن ذلك لم يحدث، فشاب عملية التصويت، ومن قبلها الترشح ومن ثم الانتخابات برمتها البطلان الذي انعدم معه أي أثر قانوني صحيح لتلك الانتخابات، إن صح وصفها بانتخابات.

ولأن شفافية الانتخابات تعني كذلك إلى جانب التنافسية والمشاركة نزاهة الأدوات إلا أن تلك هي الأخرى غابت عن جميع الاستحقاقات الانتخابية التي أجرتها سلطة الانقلاب العسكري رئاسية كانت أو برلمانية؛ حيث استخدمت كل مؤسسات الدولة وأدواتها لدعم مرشح أو فريق بعينه رغم غياب التنافسية، وغاب تماماً حياد السلطة التنفيذية ونزاهتها، حتى اللجان القضائية المشرفة اضطرت في نهاية المطاف إلى مضاعفة أرقام الناخبين الحاضرين على خلاف الحقيقة في محاولة يائسة لتجميل الصورة أمام العالم الذي لم يقتنع بتلك الانتخابات.

كل تلك المخالفات وغيرها هوت بهذه الانتخابات إلى حمأة البطلان فباتت لا ترتب أثراً ولا تحدث نتيجة؛ لمخالفتها للقاعدة القانونية التي تلغي أي شرعية لمؤسسات الدولة طالما تم تشكيلها على قاعدة الانقلاب العسكري وكانت إحدى نتائجه.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.