المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

طاهر عبد المحسن  Headshot

مشروعية المعاهدات الدولية للنظم الانقلابية 2/4

تم النشر: تم التحديث:

عدم شرعية ومشروعية نظام الثالث من يوليو طبقاً للقانون المصري

حكم الانقلابات في المنظومة القانونية المصرية:

يعد الانقلاب العسكري عملاً مؤثماً في المنظومة القانونية المصرية بحكم الدستور والقانون؛ حيث يشكل جريمة معاقباً عليها بعقوبة السجن المؤبد، التي قد تصل إلى الإعدام حال وقوعه من عصابة مسلحة، على النحو الوارد صراحة بنص المادة (87) من قانون العقوبات المصري، والتي جرى نصها على أن:

(يعاقب بالسجن المؤبد أو المشدد كل من حاول بالقوة قلب أو تغيير دستور الدولة أو نظامها الجمهوري أو شكل الحكومة، فإذا وقعت الجريمة من عصابة مسلحة يعاقب بالإعدام من ألَّف العصابة، وكذلك من تولى زعامتها أو تولى فيها قيادة ما).

والفقه القانوني متفق على أن (النص كما يتضح يعاقب على المحاولة، إذ لم يشترط المشرع المصري في الفعل أن يصل إلى مرتبة الشروع، فضلاً عن ارتكاب الجريمة، وقد قضت محكمة النقض بأن المحاولة هي ما دون الشروع من الأعمال التي يقصد بها الوصول إلى الجريمة، إن لم تصل إلى البدء في التنفيذ، وهنا لا يكفي مجرد الأعمال التحضيرية، بل يجب تجاوزها بحد يسير... والقوة التي يعنيها النص هي القوة المادية، وتتمثل في جميع أفعال الإكراه أو العنف أو القسر... وقد تكون القوة عسكرية متمثلة في استعمال السلاح.)(1)

وعلى ذلك تكون السلطة الحاكمة في مصر عقب انقلاب الثالث من يوليو/تموز سلطة مغتصبة باطل حكمها؛ لكونها نتاج انقلاب عسكري غاشم، والانقلاب العسكري عمل مادي منعدم، غير مشروع، لا يرتب أثراً ولا يحدث نتيجة، فضلاً عن كونه جريمة جنائية ترتب مسؤولية فاعليها الجنائية لانقلابهم على الشرعية على نحو ما سلف، ومن ثم وتبعاً للقاعدة القانونية التي تحكم نظرية البطلان في المنظومة القانونية المصرية يعد الانقلاب عملاً باطلاً، وبالتالي فإن كل ما نتج عنه من أعمال مثل الانتخابات الرئاسية والبرلمانية، وما ترتب عليها من آثار مثل ممارسة أعمال السيادة وإبرام المعاهدات وتوقيع الاتفاقيات ينسحب عليها حكم البطلان هي الأخرى، وتنحدر إلى منزلة العدم، وتكون باطلة كذلك بطلاناً مطلقاً ((لأن ما بني على باطل فهو باطل).

عدم شرعية ومشروعية نظام الثالث من يوليو:

ومن ناحية ثانية، وبفرض جدلي بأن ما حدث في الثالث من يوليو لم يكن انقلاباً عسكرياً، وتولي الفريق عبد الفتاح السيسي لمقاليد الأمور في مصر بغير انقلاب، فإن حكمه وكافة ما نتج عنه من مظاهر استخدام السلطة باطل بطلاناً مطلقاً كذلك لافتقاده للشرعية والمشروعية ومخالفة الدستور والقانون في ممارسته لأعمال السلطة على التفصيل التالي:

تقوم المجتمعات المدنية الحديثة على مبدأ خضوع الـدولة للقانون، الذي يعد الدعامة الأساسية التي يرتكز عليها أي مجتمع ديمقراطي؛ لذا نجد أغلب دساتير دول العالم المتحضر تنص على أن " القانون أساس الحكم في الدولة "، وقد نصت دساتير مصر المتعاقبة عليه كدستور 1971م ودستور الثورة (2012م) وحتى دستور (2014م) نص في المادة (65):

شرح قانون العقوبات المصري د/ حامد الشريف - الجزء الثاني ص 23

منه على خضوع الـدولة للقانون، وأن استقلال القضاء وحصانته ضمانان أساسيان لحماية الحقوق والحريات.

وغاية ذلك التدليل على أن الدولة القانونية هي التي تتقيد في كافة مظاهر نشاطها - وأياً كانت طبيعة وشكل سلطاتها - بقواعد قانونية تعلو على الدولة، وتكون بذاتها ضابطاً لأعمالها وتصرفاتها فى أشكالها المختلفة، ذلك أن ممارسة السلطة لم تعد امتيازاً شخصياً لأحد، ولكنها تباشر نيابة عن المجتمع (الجماعة) ولصالحه.

هنا لا بد من التقرير بأن السلطة لا تعتبر مشروعة ما لم تكن وليدة إرادة شعبية حقيقية وتعبيراً صادقاً عنها، إلا أن انبثاق هذه السلطة عن تلك الإرادة وارتكازها عليها لا يفيد بالضرورة أن من يمارسها مقيد بقواعد قانونية تكون عاصماً من جموحها وضماناً لردها على أعقابها إن هي جاوزتها متخطية حدودها.

لذلك كان حتماً أن تقوم الدولة في مفهومها المعاصر - وخاصة في مجال توجهها نحو الحرية - على مبدأ مشروعية السلطة مقترناً ومعززاً بمبدأ شرعيتها ويعني الخضوع للقانون... باعتبارهما مبدأين متكاملين لا تقوم بدونهما الشرعية في أكثر جوانبها أهمية، وعلى ذلك تقوم السلطة الحاكمة في الدولة المدنية الحديثة على مبدأين متكاملين هما:

المشروعية: وهي أن تكون السلطة وليدة الإرادة الشعبية وتعبيراً صادقاً عنها.
الشرعية: وهي تقيد السلطة في ممارسة أعمالها بقواعد قانونية حاكمة تسري على الجميع دون تفرقة، ومن ثم فلا أحد فوق المساءلة والحساب.
في هذا الإطار يمكن أن نفهم القاعدة الأصولية التي تقضي بأن "السلطة المطلقة" أي بدون شرعية ومشروعية "مفسدة مطلقة".

ولتنظيم السلطة وممارستها في إطار من الشرعية والمشروعية، كان لزاماً أن يكون القضاء ضامناً لشرعية ومشروعية السلطة الحاكمة في الدولة، وذلك من خلال استقلاله وحصانته لتصبح القاعدة القانونية محوراً لكل تنظيم، وحداً لكل سلطة، ورادعاً ضد العدوان.
إن مضمون القاعدة القانونية التي تسمو في الدولة القانونية، بل وتعد قيداً على الدولة ذاتها إنما يتحدد في ضوء مستوياتها التي التزمتها الدول الديمقراطية باطراد في مجتمعاتها، واستقر العمل بالتالي على انتاجها في مظاهر سلوكها المختلفة.

في هذا الإطار، والتزاماً بأبعاده، ولأن الدولة القانونية هي التي يتوافر لكل مواطن في كنفها الضمانة الأولية لحماية حقوقه وحرياته والحفاظ على مقدراته ومقدرات دولته، لا يجوز للسلطة في الدولة القانونية في تنظيماتها المختلفة أن تنزل بالحماية التي توفرها لحقوق مواطنيها وحرياتهم وحرصها على مستقبل أجيالها القادمة والحفاظ على ثروة بلادها، وتأمين حقوق الأجيال القادمة فيها عن الحدود الـدنيا لمتطلباتها المقبولة بوجه عام في النظم الديموقراطية مهما كانت الذرائع أو المبررات، ولا أن تقوض تمتعهم بها أو مباشرتهم لها قيوداً تكون في جوهرها أو مداها مجافية لتلك التي درج العمل على تطبيقها في النظم الديموقراطية العريقة.

بل إن خضوع الدولة للقانون في ضوء المفاهيم الديموقراطية مؤداه ألا تخل تشريعاتها بالحقوق التي يعتبر التسليم بها في النظم الديمقراطية مفترضاً أولياً لقيام الدولة القانونية، وضمانة أساسية لصون حقوق الإنسان وكرامته وشخصيته المتكاملة، ويندرج تحتها طائفة من الحقوق تعتبر وثيقة الصلة بالحرية الشخصية التي كفلتها كافة دساتير العالم المتحضر، ومنها دستور الثورة (2012م) في المادة (41) منه، واعتبرها من الحقوق الطبيعية التي لا تمس بوصفها حقوقاً لصيقة بالشخصية.

وبإسقاط تلك المبادئ على واقع السلطة الحاكمة في مصر بعد 3 يوليو 2013م يتضح لنا جلياً افتقادها للشرعية والمشروعية على نحو يبطلها ويبطل كل ما صدر عنها من أعمال.

كل ذلك بخلاف إهدارها لحقوق الإنسان الرئيسة وحرياته، على النحو الذي قررته كل المنظمات الحقوقية الدولية في تقاريرها عن الحقوق والحريات في مصر منذ انقلاب الثالث من يوليو، الأمر الذي ينزع عن هذا النظام أية شرعية.

"يُتبع"

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.