المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

طه بافضل  Headshot

بعد عودة الشرعية هل تظهر دولة صالح العميقة؟

تم النشر: تم التحديث:

العمر الذي قضاه الرئيس المخلوع علي عبدالله صالح في حكمه اليمن، مكّنه وبامتياز تام من خلق وتكوين دولة عميقة، متجذرة في النسيج السياسي اليمني، وهذا واضح في امتداد أذرعة نظام حكمه من أصغر مسؤول إلى أكبر معاونيه وسدنته، كلهم أكلوا وشربوا حتى شبعوا من أعطيات المخلوع، حتى قال قائلهم "من لم يغتن من المسؤولين في زمن علي عبدالله صالح فلا ينتظر فرصة أخرى"، أي أنه فتح الباب على مصراعيه لكل مسؤول أن ينهب ماشاء من مقدرات وإمكانات الدولة الفقيرة بين مستقل ومستكثر بحسب النفوذ والقوة، والإسناد والمهارات الشخصية في النهب والنصب والاحتيال!
الولاء التام من قبل العديد من الضباط والصف وقيادات أكثر الألوية المنتشرة في المناطق العسكرية، هذا الولاء بناه علي عبدالله صالح بشكل دقيق وسريع، خصوصا بعد حرب 94م، فقام بحملة تغييرات واسعة في بنيان الجيش اليمني، وصمم ونفّذ خطة عسكرية متكاملة، القصد منها الاطمئنان من عدم حدوث أي انقلاب عسكري ضده، ولهذا فقد قام بحملة إعفاءات وتسريح وإحالة إلى التقاعد الإجباري لآلاف الضباط والجنود من الموالين للحزب الاشتراكي شريكه في الوحدة اليمنية والذي خاض معه حرب الانفصال بقيادة الرئيس الجنوبي علي سالم البيض، فدمّر الجيش الجنوبي المدرب والمنظم، وأوجد لنفسه وعائلته ونظام حكمه سياجاً عسكرياً تام الولاء والإذعان والخنوع له! ولهذا، لا يستغرب استمرار حرب عودة الشرعية التي تخوضها قوى التحالف العربي ضد مليشيات صالح والحوثي ستة أشهر ومازالت مستمرة إلى لحظة كتابة المقال، وما ذلك إلا لما تملكه هذه المليشيات لمقدرات جيش متكاملة.
أما معارضوه، فاتضح أنَّ كثيرين منهم مجرد معارضة شكلية، صنعها هو بنفسه، ورباها على عينه وبأجهزته الأمنية، حتى صارت تنقاد وقتما يريد قيادها!! على أن كثيرين من المعارضة أيضا بالرغم من صدقهم ونصحهم إلا أنهم تاهوا في متاهات هو من وضع حساباتها ومساراتها؛ ليخبط عليهم أفكارهم وخططهم، وطريقة تعاملهم مع تلك المستجدات التي تفاجئهم بين الفينة والأخرى.
ولا نغفل استخدامه للجماعات الدينية المسلحة، ففي حرب 1994م على الجنوب، استنجد بالأفغان العرب وهم بذرة تنظيم القاعدة وأغراهم وأوهمهم حتى خدعهم وهم مستسلمون للخدعة المباركة، فاجتاحت جحافل الجيش اليمني محافظات الجنوب في فترة وجيزة، وظل جناح من التنظيم ما يزال مستعداً لتقديم المساعدة للمخلوع وقت الطلب! وفي حربه على صديقه القديم ووزير دفاعه في حرب94م الرئيس التوافقي عبدربه منصور هادي، استنجد بجماعة دينية أخرى هو من أوجدها وهيأ لها كل سبل التكوين والتمدد والنماء؛ حتى صارت خنجراً مسموماً في جسد الوطن المكلوم..فتحالف مع جماعة الحوثي التي تسمي نفسها "أنصار الله" وتجاهل آلاف القتلى والجرحى في حروبه الستة معهم، وكأنها مسرحيات للاستهلاك السياسي فحسب، وهي كذلك!
في 11فبراير ومن أمام جامعة صنعاء انطلقت الثورة الشعبية، مطالبة بتغيير نظام علي عبدالله صالح، زمجر الشباب ومعهم النخب المتحررة، والحالمة بمستقبل أجمل لبلد منهك، لم يحكم بالعدل ولا بالشرع، ولم يذق طعم التطور ولا النماء، ولا حتى أبسط مفاهيم التحضر، فجاءتها الأصوات التي تهوى التيه في بحر دولة صالح المتلاطم بأمواج شتى من المصالح الضيّقة، والتحالفات السابقة، والعصبة القبليّة الجاهلة، فتاهت معهم ثورة الشباب حتى ضاعت وتلاشت، ثم جاءت الحلول الإقليمية والدولية للمعضلة اليمنية، فخرج منها الرئيس المخلوع محصناً من التهم والمحاكمة ليعزز بها دولته العميقة في وجه أي تحول سياسي سيحدث في اليمن؛ برغم تسليمه للسلطة لليد الأمينة كما يزعم، لكن السلطة الفعلية على الأرض بيده هو، لا بيد نائبه السابق ورئيسه الحالي!!
من الصعب بل العسير جداً أن يترك الرئيس المخلوع خليفته الرئيس عبدربه منصور هادي يحقق ما سعى له من الوصول باليمن إلى الدولة الاتحادية ترجمة لمخرجات الحوار الوطني؛ الذي أنجزه هادي رغم كل المعوقات التي اعترضت طريقه، الرئيس الذي يبدو ضعيفاً أمام قوة وتوغل ونفوذ رئيسه السابق، كان صامتاً ومتمسكاً بسلوك الحلم تجاه الاستفزازات المتواصلة التي يبعثها المخلوع، حتى وصل الحال إلى محاصرته ودفعه لتقديم استقالته من منصبه كرئيس وهو ما كان يحلم به علي صالح، ولكن سرعان ما عاد أدراجه، واستغل فرصة عدم موافقة البرلمان للاستقالة بحجة عدم الانعقاد، واستطاع الإفلات من قبضة الحوثيين ذراع صالح العسكرية الفاعلة ظاهرياً على الأرض، وفرّ إلى عدن ثم الرياض وبدأ سيناريو جديد لحقبة تاريخية من الصعب أن تنسى من أذهان اليمنيين.
سيكون ساذجاً، من يعتقد أن الرئيس المخلوع سيترك هادي وحكومته يهنآن باستقرار وأمن وأمان متى ما كان على قيد الحياة، وحتى بعد هلاكه وغيابه عن المشهد السياسي إذ العمل الكبير الذي قام به المخلوع كان بمستوى يصعب تصوره، لكننا سنبسطه بكلمات يسيرة، وهي إنه قام بتغييب الهوية اليمنية الحقيقية، واستبدلها بنسخة أكثر قتامة سلوكاً وعملاً واعتقاداً، فكل سلوك سيئ مرذول كان له مساحة من الانتشار في ربوع الأرض اليمنية؛ حتى وسم هذا الإنسان المنهك بأنّه علامة للتخلف والجهل والفوضوية، أو كما يسمونها باللهجة اليمنية الدارجة "الدحبشة"، يمكن أن يقلب اليمني اعتقاده من السني إلى الشيعي في لحظة سريعة من الزمن، ترهيباً أو ترغيباً، وهنا قمة العوار الأخلاقي والسلوكي؛ فلا تستغرب أن تخرج مئات الآلاف تطبل للحوثي وجماعته وعقيدته وصرخته!!
ظهرت وستظهر عصابات النصب والاحتيال والتخريب، وسيظهر المعوقون ومسوقو الفتنة بين الناس، وستظهر كثير وكثير من الصفات والسلوكيات من أشخاص تعتقد أنهم موالون للرئيس الشرعي، أو للمقاومة، أو للحراك، وهم -في الأصل- متيمون بحب المخلوع وطاعته وتنفيذ مخططاته وأهدافه وأحلامه.. هذه معضلة ليست بالهينة. لكن الغريب والمستهجن أن يسلّم الرئيس هادي أمثال هؤلاء مقاليد المسؤولية؛ أتساءل هل هي حكمة هادي التي لم نفهمها؟ أم أنها سذاجة الرئيس الطيب الحليم؟ أم أنها سياسة لا يمكن فهمها إلا في إطار ما يعتمل في العالم العربي؛ الذي هبت فيه نسمات الربيع، فقلبت حتى صار خريفا!

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.