المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

طه بافضل  Headshot

هل يبني هادي الجيش الذي دمره صالح؟

تم النشر: تم التحديث:

أقر مجلس الدفاع الوطني اليمني، في اجتماع استثنائي عقد الثلاثاء الماضي برئاسة الرئيس اليمني عبد ربه منصور هادي في العاصمة السعودية الرياض، دمج مقاتلي المقاومة الشعبية بالقوات الحكومية.

هذه الخطوة لها مالها من أبعاد وتجليات وتداعيات في نظر المتابعين والمحللين في الجنوب، فقد انقسموا بين مؤيد ومعارض وهو أمر طبيعي بل وصحي في ظل التجاذبات والانقسامات التي تشهدها الساحة اليمنية عموماً والمحافظات الجنوبية على وجه الخصوص منذ انطلاق ثورة الحراك السلمي في الجنوب والثورة الشعبية في الشمال.

في البدء، سنرجع قليلا إلى الوراء، سنذكر بمدى التهميش والإقصاء الذي مارسه النظام السابق في حق العسكريين الجنوبيين ونعيد النظر إلى أيام حرب 1994م ونوازن بين قوتي الشمال والجنوب في تلك الحرب، كما نستفيد من رؤية الحراك السلمي الجنوبي المقدمة إلى فريق القضية الجنوبية في مؤتمر الحوار الوطني /صنعاء 25 مايو 2013م؛ لنستشف من خلال ذلك كله معنى قرار الدمج الذي اتخذ ونحاول قراءة ما قيل حوله.

مقارنة بين قوتي الشمال والجنوب في حرب عام94م:
لم يكن الجيش الجنوبي بأقل كفاءة من الجيش الشمالي ربما كان ذلك بحكم علاقة الجنوبيين بالمعسكر الشرقي بزعامة الاتحاد السوفييتي آنذاك والذي استفاد منه الجنوبيون في تنظيم قدراتهم القتالية والعسكرية، وربما لاهتمام الحزب الحاكم الاشتراكي باستعداده القتالي، فبين الفينة والأخرى تنشب بينه وبين الشمال اليمني حروب ومناوشات حدودية كما في عام 1972 وعام 1979م، كما يذكر أن الكثافة السكانية في الجنوب منخفضة مقارنة بالشمال حيث وصل تعداد الجنوب عام 1994م إلى 2.5مليون مقابل 12مليون نسمة في الشمال، وكذا التحاق ما يقارب 10آلاف جنوبي بجيش الشمال بصحبة الرئيس الأسبق علي ناصر محمد عقب الحرب الأهلية التي نشبت عام 1986م، شاركوا فعلياً في حرب 1994 ضمن صفوف الجيش الشمالي.

وعلى الرغم من ذلك كله إلا أن القوات البرية الجنوبية وصل تعدادها 27500 فرد مقابل 38500 فرداً من الشمال، إضافة إلى جيش الاحتياط، ففي الشمال بلغ 100ألف فرد في مقابل احتياطي استراتيجي جنوبي بلغ 40 ألف فرد، زد على ذلك اعتماد كل طرف على ولاء المليشيات والقبائل ففي الشمال اعتمد على مليشيات الشيخ عبدالله بن حسين الأحمر رحمه الله، وفي الجنوب اعتمد على ولاء قبائل حضرموت وشبوة.

وتذكر المصادر أن الجيشين انتظما هيكلياً بصورة تقليدية تعد الأكثر شيوعاً، حيث ضم الجنوبي مقابل الشمالي ما يلي: فرقة مدرعة واحدة مقابل ثلاث فرق مدرعة، و15لواء جنوبياً تنوعت في تخصصاتها القتالية مابين دبابات ومشاة ومشاة آلي ومدفعية إضافة إلى لواء صواريخ أرض أرض و10كتائب ميدان مقابل 21 لواء شمالياً، تنوعت في تخصصاتها ما بين دبابات ومشاة ومشاة آلي ومدفعية فضلا عن كتيبتي دفاع مستقلتين.

ومن حيث الأسلحة ومعدات القتال فقد كان التفوق الشمالي ظاهراً في أعداد الأسلحة والمعدات البرية، بينما يتفوق الجيش الجنوبي في القدرات الجوية والبحرية كما توضحه الأرقام التالية:

الجيش الجنوبي: دبابات القتال480، قطع المدفعية225، منصات إطلاق صواريخ أرض- أرض16، الطائرات القتالية92، طائرات عمودية قتالية48، طائرات النقل الحربى12، زوارق الدورية الساحلية6، الزوارق الصاروخية6، زوارق كسح الألغام البحرية_، ناقلات الجنود البرمائية5.

الجيش الشمالي: دبابات القتال 715، قطع المدفعية432، منصات إطلاق صواريخ أرض - أرض12، الطائرات القتالية71، طائرات عمودية قتالية40، طائرات النقل الحربى9، زوارق الدورية الساحلية8، الزوارق الصاروخية_ ، زوارق كسح الألغام البحرية3، ناقلات الجنود البرمائية2.

مما سبق نستنتج مدى القوة التي يمتلكها الجيش الجنوبي، فقد كان النظام الحاكم آنذاك في الجنوب، يولي عناية فائقة بالجانب العسكري رغم الوضع الاقتصادي الصعب الذي يمر به، وأيضا كان يملك عقلية عسكرية تتميز بالانضباط والحزم والتي جعلت من هذا الجيش يؤرق منام الشمال دائماً، وقد اتضح ذلك في حروب الشطرين كما تسمى والتي كان يصل الجنوبيون فيها إلى مشارف صنعاء!

تفتيت الجيش الجنوبي:
ما حدث بعد حرب الانفصال 1994م، عملية انتقامية بامتياز، قام بها المخلوع علي عبدالله صالح بمعونة الجناح الإسلامي الجهادي المتمثل بحزب التجمع اليمني للإصلاح، والذي شارك بشكل فاعل في تلك الحرب من خلال مليشياته الموالية له، والمجاهدين العائدين من أفغانستان، فقد انصب هم النظام السابق على كيف يفتت قوة الجنوبيين؟ حتى لا تعود مرة أخرى خنجراً في صدر النظام يذبح كل أحلامه وطموحاته التوسعية في الجنوب.

ومن ذلك التفتيت، أساليب التضييق والتهميش والإقصاء التي مورست على أبناء الجنوب من الأمنيين والعسكريين والطلاب المستجدين ثم تصفية كثير منهم جسدياً أو نفيهم خارج اليمن وفيما يلي نعرض جزءاً منها:

فرض التقاعد على الأمنيين والعسكرين:
رغم انتقاده له، إلا أن المخلوع سار على خطى الحاكم المدني الأمريكي بول بريمر في العراق بحل الجيش العراقي المكون من أربعمائة ألف جندي. فقد قام بتسريح ما يقارب 12381 من المتقاعدين الأمنيين في المحافظات الجنوبية و41272 من العسكريين..إنهم قوام الجيش الجنوبي، فلم يبق منهم إلا القليل ممن ضمن ولاءهم له ولنظامه الجديد.

بل إذا نظرنا إلى أرقام العسكريين والأمنيين من ضباط وجنود وعاملين في المواقع العسكرية في الوزارات والمعسكرات والألوية فهي نسب ضئيلة جداً لا تقاس واندماج دولة مع دولة أخرى..وأما تصفية الكوادر العسكرية الجنوبية فقد تمت تصفية قرابة 500 كادر عسكري جنوبي، وهو حديث يحتاج إلى مقال مستقل بذاته.

والنتيجة، تم تدمير الجيش الجنوبي بكامله، وإلحاقه بجيش الشمال تحت مظلة "الوحدة اليمنية" وهي في الأصل توسيع مساحة الجمهورية العربية اليمنية مع تغيير المسمى والنشيد وبعض التزيين اللازم لتسويغ تقبل الفكرة المغشوشة.

المقاومة الجنوبية على الأرض:
بعد فرار رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة ومن معهم من الوزراء والضباط والشخصيات السياسية، اجتاحت مليشيات صالح والحوثيين العاصمة عدن، فظهرت المقاومة الجنوبية لصد العدوان الغاشم عن عدن، فكانت خليطاً من اللجان الشعبية الموالية للرئيس عبدربه، سلفيو دماج رحلوا قسراً من مركز دماج بعد خوض معارك ضارية انتهت بترحيلهم بتدخل من الرئيس هادي وحقنا للدماء، وسلفيو الجماعات الأخرى كالإحسان والحكمة وحركة النهضة ومجاميع من شباب الحراك الجنوبي والشخصيات الاجتماعية متعددة المشارب ارتصوا جميعاً وأعلنوا الكفاح المسلح ضد الحوثيين ومليشيات المخلوع صالح فقد اكتشفوا وفطنوا أن المعركة أخذت أبعاداً أخرى ولها تبعاتها الوخيمة مرة أخرى على الجنوب.

أغلبية عناصر المقاومة الجنوبية ممن يقر بشرعية هادي "بمظلة وحماية دول التحالف" التي كانت لها المساهمة الكبرى في دحر أو إيقاف العدوان، وهذا أمر سيكون له أثره عند الحديث عن مدى التعاطي مع قرار دمج المقاومة بالجيش اليمني، لكن يبقى أفراد من الحراك الجنوبي لا يقرون بشرعية هادي ولكنهم يرحبون ويكنون للتحالف بقيادة المملكة العربية السعودية والإمارات جزيل الشكر والعرفان على مساندتهم المؤثرة في أرض المعركة في أرض الجنوب، وهذا قد يسهم بحد ذاته في بناء جيش جنوبي من المقاومة الجنوبية سيكون له الدور الكبير في تعزيز ما ستسفر عنه الأيام القادمة على أرض الجنوب العربي.