المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

طه عبداللطيف الفتياني Headshot

سمير والطائرة الورقية

تم النشر: تم التحديث:

لم يجد الفتى الصغير سمير ذو الأحد عشر عاماً صعوبة في أن يقسّم عصا القُصيب التي أحضرها له أبوه إلى أجزاء متساوية متناسقة؛ لكي يصنع طائرة ورقية، فقد جاءت العطلة الصيفية وخيارات الطفل الفلسطيني في اللعب ضيقة جداً، بغض النظر عن المكان الذي يقطنه، في الوطن كان أم في الشتات.

بدأ سمير يأخذ قياسات أجزاء القصيب بدقة؛ فيجب أن تكون "الشَّدّة" دقيقة الصنع، حتى تتوازن الطائرة الورقية في الجو، فالأمر ليس سهلاً في ظل تنافس الفتيان في أمرين رئيسيين، أولهما جمال الألوان وتناسقها، والآخر العلو الذي يمكن أن تصل إليه الطائرة.

نهض سمير والعرق يتصبب من جبينه فالطقس في مخيم عقبة جبر حار جداً في الصيف، فهو لا يبعد إلا كيلومترات قليلة عن أريحا وعن البحر الميت؛ والغور على ضفتي النهر جزء من نار جهنم في الصيف.

انتهى سمير من صنع الطائرة الورقية، ثم طلب من أمه أن تسمح له بالخروج ليجربها، رفضت الأم بحزم فهو وحيدها من الذكور وتحرص على صحته أشد الحرص.

لم يكرر سمير الطلب، فهو يعرف أن أمه لن تتراجع، لكنه أخذ وعداً منها أن يخرج بعد أذان العصر عند انحسار شدة الحر وهذا ما حصل.

ارتفعت الطائرة بسرعة وأخذت وضعها في الجو فبدت وكأنها نقطة ضوء تلمع في سماء زرقاء صافية.

في الجانب الآخر، كانت الطفلة "ايستر" تقف على ظهر منزل والدها في مستعمرة أقيمت على أرض استولى عليها المستوطنون أخذت تتمدد وتتمدد إلى أن أصبحت أقرب إلى قرية كبيرة.

شاهدت "ايستر" طائرة سمير الورقية فأثارت إعجابها فنزلت راكضة إلى والدها، وطلبت منه أن يأتي معها ليشاهد الطائرة...
"أريد واحدة مثل هذه"... قالت الطفلة الإسرائيلية مشيرة إلى الطائرة.

ابتسم والدها ثم أخذها إلى السوبرماركت واشترى لها طائرة بلاستيكية طبعت عليها صورة صقر، ثم صعدا إلى سطح المنزل ليلعبا بها.

أخرج الوالد الطائرة البلاستيكية وبدأ يطيّرها، وما هي إلا لحظات حتى ارتفعت بطول الخيط البلاستيكي الذي بدا قصيراً فلم يسمح لها بالارتفاع أكثر من ثلاثين متراً على أقصى الاحتمالات.

نظرت "ايستر" إلى طائرة سمير التي كانت قرب القمر أو أدنى منه قليلاً، فتسرب اليأس لملامحها ورفضت أن تمسك بالخيط الذي قربه والدها منها.

"لا أريد هذه الطائرة يا أبي" قالت "ايستر" والحزن يكسو وجهها...
"أريد تلك!!"... قالتها مشيرةً إلى طائرة سمير الذي بدأ يسحبها من بعيد فقد آن الأوان ليعود إلى بيته.

تناقش الأب مع زوجته في مساء ذلك اليوم فأشارت عليه أن يذهب إلى الطفل العربي ليشتري منه الطائرة؛ "فبالمال يمكن أن تحصل على أي شيء!"

ذهب والد إيستر إلى المخيم في سيارته بعد أن ارتدى ملابسه العسكرية؛ فهو ككل الإسرائيليين إما جندي في الخدمة أو جندي في الاحتياط.

عند وصوله أشار الإسرائيلي لسمير بالاقتراب منه، ولكنه تجاهل طلبه وواصل مراقبة طائرته. نزل الإسرائيلي من سيارته واقترب من سمير الذي حاول الابتعاد عنه، إلا أن الرجل أمسك بذراعه قائلاً "هل تبيع طائرتك؟"، فأجابه سمير بالرفض هازاً رأسه بقرف.

حاول الإسرائيلي إغراءه بعرض عشرين شيكلاً ثمناً للطائرة إلا أنه رفض! ثم أربعين وخمسين ليستمر سمير بالرفض حتى وصل العرض إلى المبلغ الباهظ مائة شيكل!

حاول سمير الهرب بعد أن رأى إصرار الإسرائيلي، إلا أنه منعه من ذلك واستولى على "شلة" الخيطان، ثم أخذ يدفع سمير بعنف إلى أن وقع على الأرض.

نهض سمير وهاجم الإسرائيلي محاولاً تخليص شلة الخيطان من بين يديه لكن قواه لم تسعفه فاستعان بأسنانه؛ ليترك الإسرائيلي شلة الخيطان التي تدحرجت سريعاً مبتعدة عنهما فركض الإسرائيلي خلفها محاولاً لحاقها.

أمسك سمير بحجر وألقاه على الإسرائيلي فأصابه في رأسه وهرب، واحتار الإسرائيلي أيلحق بالولد أم بالطائرة! فاختار الثانية تاركاً سمير يبتعد مختفياً.

اقترب الإسرائيلي من شلة الخيطان التي أصبحت فارغة إلا من عود خشب كانت الخيطان ملفوفة عليه مما سرّع في هروبها فعلقت بشجرة سدر وما أدراك ما السدر!

عادت الطائرة تحلّق مرتفعة والإسرائيلي يحاول الوصول إلى عود الخشب إلا أن كثافة الشوك أدمت يديه وأعاقته عن الوصول إليه، فعاد إلى سيارته وانطلق عائداً يجر أذيال الخيبة، فيما كانت طائرة سمير لا تزال تحلق وتحلق وسمير يراقبها بنشوة و"ايستر" تراقبها ويحدوها الأمل بالحصول عليها.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.