المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

طه عبداللطيف الفتياني Headshot

أكذوبة لغز أكتوبر

تم النشر: تم التحديث:

يعتقد الكثير من المصريين أنهم حققوا في حرب أكتوبر انتصاراً ألغى أسطورة الجيش الإسرائيلي الذي لا يقهر، مع أن هذه المقولة لا أساس لها من الصحة أبداً؛ فمتى حارب الإسرائيليون الجيوش العربية ليبنوا هذه الأسطورة؟ كل المعارك التي يتحدث عنها الإعلام هي سلسلة انسحابات عربية أمام الجيش الإسرائيلي لتسليم الأراضي العربية دون مقاومة، وهذا ما يفعله الفلسطينيون في اجتياح لبنان أيضاً، وكل قصص المقاومة والصمود في بيروت ليست موجودة إلا في خيالات من حاول ويحاول تصفية القضية الفلسطينية بشتى السبل ودون أثمان.

يقول محمد فوزي آخر وزير دفاع لعبد الناصر والذي قضى جزءاً من حياته في سجون السادات بقضية مراكز القوى الملفّقة، إن الجيش المصري تدرب عشرات المرات على تدمير ثغرة كالتي حصلت في منطقة الدفرسوار، تحت إشراف المستشارين الروس، متخذين أحد فرعي النيل مجسماً لقناة السويس، متوقعين أن يغامر الإسرائيليون بارتكاب هذه الحماقة في هذه المساحة من الأرض بالذات.

وهنا، يبرز السؤال البديهي عن السر في إدخال كل قطاعات الجيش المصري دون ترك احتياطي استراتيجي لمواجهة مثل هذه الاختراقات المتوقعة مسبقاً..

حدثت الثغرة كما توقع الروس ولم يجد شارون من يقاومه، ورفض السادات بشدة محاولات الشاذلي لسحب بعض ألوية الجيش المصري لتطويق هذا الاختراق وتدميره، وكانت النتيجة تطويق الجيش الثالث بأكمله ليكون ذلك مبرراً للسادات لوقف القتال والبدء في مفاوضات لفك الحصار عنه.

حرب أكتوبر مليئة بالأسرار التي لن تكشف طالما يسيطر العسكر على مقاليد الأمور؛ فكل قطرة دم أريقت على ضفتي قناة السويس في حرب وصفها قذافي ليبيا في يومها الأول محقّاً بأنها "مسرحية"، وحاول في أثنائها استرداد طائرات الميراج التي كان يضعها في تصرف السادات دون جدوى.

ما حصل في السادس من أكتوبر ليس أكثر من حرب تلفزيونية متفق عليها تتلخص خيوطها الرئيسية في انسحاب إسرائيلي بعمق 20 كيلومتراً شرق القناة، هدفها تكريس السادات بطلاً قومياً على شاشات التلفزيون وفي صفحات الجرائد؛ ليتمكن بعد ذلك من زيارة القدس وإبرام اتفاقية كامب ديفيد مع إسرائيل برعاية الإدارة الأميركية ودون مقاومة تذكر.

عندما حاول المصريون تجاوز العشرين كيلومتراً المسموح بها إسرائيلياً، وقعت مجزرة الدبابات الشهيرة التي دُمر خلالها عدد هائل من الدبابات المصرية خلال ساعتين فقط.

يقول الجنرال فوزي أيضاً إن الجيش المصري كان يدرك جيداً أن الرادارات الإسرائيلية كانت قادرة على رصد أي طائرة مصرية لحظة إقلاعها من مطارها، وأكذوبة الضربة الجوية الأولى وبطلها، لم تكن موجودة إلا في أسطر صحف مبارك، الذي كان يجاهد هو وإعلامه أن يحشر نفسه في دور رئيسي بمسرحية الحرب وبطولتها المزعومة.

عوقب الشاذلي رئيس هيئة أركان الجيش المصري بالإقصاء عندما أحس بما حصل، وقد تم إبعاده عن مصر لئلّا يكون له دور في حشد الضباط الذين اكتشفوا الخدعة وبدأوا في التململ، وسجن بعد ذلك في محاولة لِلَجمه، مع العلم أنه لم يكشف في مذكراته أي شيء خطير مما حدث؛ لأنه كان يعلم أن ذلك سيؤدي حتماً لاغتياله كما اغتيل العشرات من الضباط الذين غردوا خارج السرب العسكري وحاولوا مجرد التمتمة بما حصل، وما حصل خطير بالتأكيد، ونتيجته نراها الآن تتجلى في السيسي وارتمائه وارتماء مصر في أحضان أميركا وإسرائيل.

رحم الله آلاف الشهداء الذين سقطوا دفاعاً عن مصر وعن الأراضي العربية، فيجب ألا تحجب البطولات الفردية التي تمت على مدار المواجهة مع العدو الصهيوني، وكلي ثقة بأن الجندي العربي قادر على الإبداع وتحقيق الانتصارات لو أتيحت له فرصة حقيقية للمواجهة متسلحاً بعقيدة قتالية سوية وتحت قيادة عسكرية وسياسية مخلصة.

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.