المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

تاجموعتي نور الدني  Headshot

تفكيك أبعاد الشطحات عند أهل التصوف

تم النشر: تم التحديث:

2015-12-22-1450812605-6024964-tlchargement1.jpg


للشطحات الصوفية تجليّات كثيرة ومتنوعة، حيث تأخذ صاحبَها بواسطة محرّكه الواعي أو عقله الباطني كي يجتاح اعتقاداً منه بعض الأسرار الربانية، وأملاً منه بمعانقة بعض الحقائق الباطنية والتي قد تتمخّض عن إشارات كونية هي بدورها عند استيعاب مضامينها، وملامسة حقائقها يعمل ذلك المحرك الواعي على إظهارها بل وترجمتها حركيّاً وكلاميّاً عن طريق تلك التجليّات، التي ستكون لاحقاً عنواناً للشطحات الصوفية.

إلا أن هذه العملية - أي اجتياح المحرك الواعي لتلك الأسرار - تحتاج إلى شروط موضوعية وأخرى عقلية، تتعلق بالجانب الإيماني وكذا بالمقدرة المعرفية المؤهِّلة للمحرّك الواعي في استيعاب تلك الإشارات والحقائق، وإلا فإن هذا المحرّك لن يعود إلا بمسلمات مجرّدة، لا تمتُّ إطلاقاً بقدسية تلك الحقائق الباطنية، وهذا يعني أن تلك الشطحات اللاحقة لا تعدو أن تكون إلا نوعاً من الرقص أو ما يُطلق عليه اصطلاحاً بـ(التّحيّر أو الجدبة).

أعود وأقول، ومن خلال محاولة فهم وتفكيك تلك العملية الواعية، والمستوفية للشروط الموضوعية، فإنه بالمعاينة والتّحري يمكن الجزم بالقول إنّ معظم تجلّيات الشطحات الصوفية تفتقر بل وتنعدم فيها أبسط الشروط الموضوعية التي تعتبر المِحكّ الحقيقي لمصداقية أيّ شطحات صوفية على الإطلاق، وللتوضيح أكثر هناك ثلاثة أبعاد استثنائية:
البعد الأول: وهو (الاستئذان الأُحادي)

حيث فيه نجد المحرّك الواعي، وبصورة تلقائية يستأذن بالولوج ذاتيّاً وبالدخول أحاديّاً إلى تلك الحقائق الباطنية ليلامس طوعاً حقيقة العشق المطلق، باعتبارها حقيقة فطرية، يختزلها العقل الباطني، والمحظوظ كونيّاً هو من يهتدي إلى استقراء إشاراتها، وفكّ بعضٍ من رموزها.

ولنا مثال أصيل في هذا الجانب نسوقُهُ لتقريب الفهم ويتعلق بخليل الله (إبراهيم عليه السلام)، حيث لما كان يستقرئ الكون، دفعه الحب الفطري إلى كره الآفلين، واستيْقنَ محرّكه الواعي (عليه السلام) بأن للوجود ظاهراً وباطناً، وللكون مدبّراً ومسيّراً، ألا وهو الله رب العالمين.

وفي هذا البعد - أي بعد الاستئذان الأُحادي - يتطلّب ويستدعي ملَكات وقدرات استثنائية للمحرك الواعي، هي مختزلة عند كل البشر، لكن عملية الإخراج والاستقراء تتفاوتُ بينهم حسبَ تفاوتهم في الإيمان بالغيبيات، وحسب تفاوتهم في الاستدلال المنطقي للمحسوسات، ولذلك ينتج عن هذا التفاوت خللٌ في كثير من التصورات تكون تجلياتها وشطحاتها شاردةً عن مقاصدها.

وهذا تماماً ما نشاهده كثيراً في عالمنا اليوم، ففي عالمنا العربي والإسلامي، ومع الأسف الشديد، هناك الكثير ممن أصبحوا يتاجرون في مجال التصوف، واضعين أسساً خاطئة باسم الدين، حيث لا يهمّهم سوى الربح ولا تستهويهم إلا الهدايا، فأقاموا الزوايا، وقنّنوا الشطحات، وفنّدوا الكرامات حول دفين الزاوية، باعتباره وليّاً وقطْباً من أقطاب الاستئذان الأحادي في معرفة الله.

أما البعد الثاني: فهو (الاستئذان الثنائي)

وهي الحالة أو المحاولة التي يريد فيها المحرك الواعي الاستئذان بدخول تلك الحقائق الباطنية، بمعيّة ضامنٍ مشهودٌ له بمعرفة جوهر تلك الحقائق.

فعندما يستدعي المحرك الواعي مثلاً شخصاً مثل الجيلاني أو البدوي أو غيرهما من أعلام التصوف والكرامات، بالدخول إلى عالم الأسرار والحقائق، اعتقاداً بأن الأمور ستنجلي له كما انجلتْ لهم، والخفايا ستسْتبينُ له كما بانت لهم، إلا أن هذه العملية ومن خلال التركيز على أجواء شطحاتها وتجلياتها، بل وقبل القيام بتفعيلها، ظهر بالملموس عند الكثير من أصحابها أن هناك شروطاً لا محيد عنها، تستدعي تقديم الذبائح والعطايا وإشعال الشموع وتأجيج البخور لإرضاء ذلك الضّامن، هذا إذا كنتَ ترغب فعلا في مصاحبته لك للدخول إلى عالمه، فتُقضى الحاجات، وتُيسّر الغايات.

وهذا البعد مع الأسف يستهْوي فئات كثيرة استعصى عليها الجهل فلا ترى في الخرافات والأساطير إلا ضالّتها المنشودة، وهذا طبعاً يجعل من تلك الشروط الموضوعية بعيدة كل البعد عن حقيقة التجليات التي يفرزها ما يُسمّى (الاستئذان الثنائي).

أما البعد الثالث: فهو (الاستئذان التّبعي أو التلقّي للتلاقي)

حيث في هذه الحالة يكون المحرك الواعي متلقيّاً فقط، أي أنه يأخذ، بل ويستلهم من محرّك واعٍ آخر، تلك التصورات والتجليات ليعطيها هو الآخر بعداً ملحقاً لتلك الشطحات الصوفية.

وبمعنى أدق، يترك المتلقي أو المريد وليَّهُ أو شيخه هو من يدخل إلى عالم الحقائق، باعتباره حامل السر الرّباني، ليأخذ منه لاحقاً ثمرة دخوله إلى ذلك العالم، وليحولها هو الآخر أمام حضرته إلى شطحات حركية وكلامية، تستدعي مجهوداً إرادياً، كلما زاد عنفوانه كان بمثابة إيحاء للوليّ الحاضر بأن الرسالة قد وصلت.

عموماً إن عملية التلقي للتلاقي حوّلت الزائر إلى مُريد موظف بطريقة غير مباشرة، وهذا من شأنه أن يخلق هيكلاً هرميّاً، تكون فيه درجة فهم الأسرار الربانية مرْجِعاً في التوريث والتّزكية، مِمّا قد يُنذر بعواقب وخيمة، حيث - آجلاً أم عاجلاً - سينتفض المريد باعتباره الحلقة الأضعف داخل ذلك الهرم الثيوقراطي، ليتمردَّ على تلك التغطية التقليدية في تمرير المنافع بين أصحاب البرج العاجي الذين هم في واقع الحال يتمسكون بقدسية السر الرباني بكلّ الأساليب ترغيباً وترهيباً.

كما هو الحال في الأوساط الشيعية الإماميّة، حيث نَجد العوام من الموالين ملزمون بتقديم (الخمس) إلى المراجع بصفتهم الممرّ الوحيد الذي يقود إلى الحصول على صكّ الغفران.

وهذا يجعل أيضاً من هذه العملية - أي التلقي من أجل التلاقي - عملية سلوكية احتياليّة بامتياز لِما تختزله من تراكمات منحرفة تدليساً وتلبيساً، وقطعاً تسيء إلى الدين فهْماً وممارسةً قبل أن تسيء إلى التصوف بشكل عام.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.