المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

تاجموعتي نور الدني  Headshot

المهندس العبقريّ..الطائر الحبّاك : (Rueppell's Weaver)

تم النشر: تم التحديث:

123

عالم الطير أو مملكة الطيور تعجّ فعلاً بالغرائب والعجائب.. وكلّ فصيلٍ وكلّ جنسٍ من هذه المملكة إلاّ وله خصائصه المتفرّدة التّي تميّزه عن الجنس الآخر سلوكًا وغريزةً.. ولعّل الطّائر الذهبي أو ما يُطلق عليه مجازًا بالطّائر العبقري: النسّاج أو الحبّاك (Rueppell's Weaver) هو من الطّيور التي أربكتْ بل وحيّرتْ كثيرًا بعض علماء الطبيعة المختصين بعالم الأحياء خصوصًا في بعض تصرّفاته أو في كيفيّة تأقلم نمط عيشه مع الطبيعة.. ومن المظاهر السلوكيّة التي أذهلت هؤلاء العلماء في محاولتهم للجواب على ثلاثة أسئلة رئيسة في حياة هذا الطائر المبدع :

السؤال الأول: من علّمَ الطائر النساج ولقنّه كيفية جمع الألياف ثمّ ربطها في شكل مُعقّدٍ من الضفائر لتكون نواةً أوليّة في بناء عشٍّ يكون شكله مجْوفًا؟

1234

جوابًا على هذا السؤال تبيّن لهؤلاء المختصين بعد معاينة دقيقة، أنّ الطائر الحبّاك يقوم ببناء العش على شكل كروي أو عنقودي حسب المنطقة الجغرافية التي يتكاثر فيها.. ففي سلطنة عمان مثلاً، تكون الأعشاش عنقودية الّشكل وذلك بسبب طول الألياف التي يستخلصها من جريد شجر النخل.. بينما في مناطق أخرى من العالم وخصوصًا على ضفاف الأنهار القريبة من الشلالات، فإنّ العش يكون مستديرًا بسبب قصر الألياف التي يستخلصها من نبات (الدوم) التي تنمو على جنبات تلك الأودية إلاّ إنه ورغم اختلاف هذه الألياف من منطقة لأخرى فإنّ الإبداع الهندسي يبقى واحدًا عند هذا الطير مهما اختلفت المواقع الجغرافية التي يتواجد فيها، حيث يتميّز هذا الإبداع بتقنيات لا تخلو من تركيبٍ وربْطٍ وتعقيد بواسطة منقاره الوحيد. هذا وبمجرّد أن ينتهي الذكّر من عناء بناء العش الذي قد يستغرق بين أسبوعين إلى ثلاثة أسابيع.. تراه يقفز بين الأغصان منتشيًا وفي استعراضٍ رومانسيّ بديع وهو يحرّك جناحيه يبدأ بإرسال رنّات رخيمة لكلّ أنثى (آنسة) ترغب طواعيةً في مشاركته بيت الزوجية..

وهنا يأتي السؤال الثاني والذي فعلًا أدهش العلماء وهو: عندما تأتي الأنثى لماذا يصمت الذكر؟ حيث تبيّن لاحقًا أنّ هناك (بروتوكول) شبه غريزي يجب مراعاته واحترامه من طرف الذكر.. فالأنثى لن تستجيب تحت ضغط الإغراء والتلميح والصّفير إلاّ بعد قيامها بالواجب المنوط بها وهو المعاينة الفعلية للعش وكأنها تريد أن تتأكّد من سلامة معايير العشّ الذي ستعيش فيه..

هذه المعاينة لا تكتفي بالمظهر الخارجي للعش، من حيث خلوّه من أي عائق أو خطر يمكن لاحقًا أن يهدّد سلامة الفراخ مستقبلًا.. بل وأمام احترام الذكر وصمته تقفز الأنثى من الباب السفلي للعش لمعاينته كذلك من الداخل.. فإذا وجدتْ أيّ ثغرة لم يقم طالب الزواج بسدّها بإحكام فهي ستخرج على الفور من العش وبرنّاتٍ شبه احتجاجيّة تترك المكان فورًا وتترك (الجمل وما حمل) إيذانًا برفضها طلب الزواج.. أمّا إذا رضيتْ واقتنعت بمعايير العش واستشعرتْ الأمن والأمان فإنّها تطلّ على الذكر المتيّم الولهان وبإشارة صوتيّة تعلن عن قبولها فيقفز المسكين عندها ليبدأ فصل جديد من فصول التكاثر والتوالد عند هذا النّوع الغريب من الطيور..

وهنا يأتي السؤال الثالث والذي هو الآخر لا يقلّ غرابة عما سبق، وهو لماذا الطيور جلها تمارس طقوس المعاشرة الزوجية في أي مكان من الطبيعة.. إلا الطائر الذهبي فالممارسة لا تتمّ إلا في بيت الزوجيّة ولا يتحوّل هذا السلوك ليصبح اعتياديًّا كما هو الشّأن عند سائر الطيور إلاّ بعد أن تضع الأنثى أوّل فراخها.. ترى ما هو السرّ من وراء ذلك؟ هل هي غريزة أم تقدير إلهي؟ سؤال لا يزال علماء الأحياء المهتمّين بعالم الطير يبحثون عن جواب له.. وإلى حين يدركون هل هذا السلوك هو حياء أم استحياء عند الطائر الحبّاك؟ إلى ذلك الحين نكتفي بالمقولة الشائعة: (ولله في خلقه شؤون).

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع