المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

تاجموعتي نور الدني  Headshot

) لا يستوي الظل والعود أعوج)

تم النشر: تم التحديث:

بالأمس القريب.. استضافتْ قناة فضائيّة لإحدى الدول المغاربيّة على نشرة الأخبار أحدَ المسؤولين في ميدان الفكر والإبداع ألا وهو وزير الثقافة لتلك الدولة وذلك منْ أجل إعطاء رأيه حول موضوع ما.

إلاّ أنّ معالي الوزير المحترم ورغْم أنّه كان يعتمد بين الفينة والأخرى على المقروء.. إلاّ أنه و في مشهد غريب و عجيب.. كان في صراع محموم و محْتدم مع اللّغة العربيّة التي لاكمها بعنف شديد و بدون أيّة رحمة و بدون أدنى حياء.. فجعل غير ما مرّة الفاعل منصوباً.. والحال مرفوعاً.. أمّا النّواسخ فكانت تصرخ مرّةً ب(أبي إسحاق الزّجّاج ) ومرّة تستغيث ب(محمد السّرّاج) ولا منْ يصحّح أو يُغيثْ ولا حول ولا قوّة إلاّ بالله.

والمُضْحك المُبْكي.. أنّ معالي الوزير كانتْ عيناه جاحظتين أمام عدسة الكاميرا
و بدون خجل أو إحساس بمركّب النقص.. كان سيادته يرشقنا بابتسامات (دونجوانيّة) لا تستحقّ و الله إلاّ الردّ عليها بالطّماطم النّيئة.

أليس من عجائب الدّنيا أنْ تُحيل وزيراً للثقافة على برنامج من برامج محْو الأميّة ؟
سيُجيبني اللّبيبْ: تلك ما هي إلاّ شجرة تُخفي من ورائها غابة.

نعم هذا صحيح.. ففي أغلب الدول العربية عموماً والمغاربيّة خصوصاً يلاحظ أنّ المشهد الثقافي يعاني من حساسيّة مفرطة من اللغة العربيّة والخلل والعيب ليس أبداً من عظمة هذه اللغة بل العيب ممّن استفردوا بملف الثقافة في هذه البلدان أو تبوّأوا مناصب تنفيذيّة تهمّ الشّأن الثقافي حيث ولغاية في نفس يعقوب.. عملوا على تهميش دور هذه اللغة في أخذ مكانها اللائق بها.. و لذلك انقلب المشهد الثقافي رأساً على عقب.. حيث وجد كثيرٌ من المثقفين أصحاب الغيرة على لغتهم.. وجدوا أنفسهم في خانة ( الكومبارس ) في حين اليوم ومع الأسف الشديد فالمشهد الثقافي العام يتصدّره كثيرٌ من النطيحة و كثيرٌ من المتردّية .. طبعاً وبالتوازي فالفن كقيمة ثقافيّة هو الآخر تأثّر سلباً بالمنحى الذي رُسم للثقافة عموما.

ذلك أنّ تهميش لغة الضّاد عمداً سيزيد من إفراز قوالب هجينة ومريبة لا طعم ولا لون ولا رائحة فيها.. ممّا جعل المتلقّي ذا الأذن الواعية وجعل المشاهد ذا العين المستبصرة في حالة من الذهول والإحباط ممّا آلتْ إليه الأمور بل وممّا يزيد في الطّين بلّة هو عندما يخرج علينا مثقفون من طينة المذكور أعلاه و هم يضربون لغة الضّاد أخماساً في أسداس.. ترى هل يستوي الظل و العود أعوج ؟

نعم.. و بعيداً عن التعصّب و الأنانيّة يجب التذكير أنه و أمام اعتراف العالم بضرورة الاحتفاء بلغة الضاد في كل سنة.. وأمام اعتراف اليونسكو باللغة العربيّة في زمن العولمة.. أمام هذا وذاك فإنه بات من المسلّمات أن تراجع العواصم العربيّة عموماً والعواصم المغاربيّة خصوصاً مواقفها من اللغة الأم.

فلا معنى لدخول صرح المعرفة حداثيّاً وتنمويّا دون تمكين لغة الضاد من استرجاع عافيتها إنْ لم نقلْ من استرجاع بريقها وتحضرني هنا مقولة المستشرق (ماسينون):
المنهاج العلمي قد انطلق أول ما انطلق باللغة العربية في الحضارة الأوروبية... وإن هذه اللغة استطاعت' (بقيمها الجدلية والنفسية والصوفية إضفاء سربال الفتوة على التفكير الغربي، بل أكثر من ذلك، فإن اللغة العربية كانت وما تزال أداة خالصة لنقل بدائع الفكر في الميدان الدولي، وإن استمرار حياتها دوليا، هو العنصر الجوهري للإسلام بين الأمم في المستقبل.

ويقول المفكّر الإيطالي الكبير (كارلو نلينو) و الذي طبعت محاضراته عن «تاريخ الآداب العربية من الجاهلية حتى عصر بني أمية» في إحدى هذه المحاضرات:
( اللغة العــــربية تفوق سائر اللغات رونقاً.. ويعجـــز اللسان عن وصف محـــــــاسنها )

أمّا طه حسين:
"إن المثقفين العـــرب الذين لم يتقنوا لغتهم ليسوا ناقصي الثقافة فحسب بل في رجولتهم نقص كبير و مهين أيضاً"