المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

تاجموعتي نور الدني  Headshot

لماذا الأول سعادة في العالم هو السّابع انتحاراً ؟

تم النشر: تم التحديث:

في سنة 2014.. لفت نظري خبر حصول (الدانمارك) على المرتبة الأولى من حيث أنّ المواطن الدانماركي هو الأكثر والأول سعادةً في العالم، لكن ما لفت نظري أكثر هو أنّ هذا البلد الإسكندنافي يتبوّأ كذلك مرتبة جدّ مشرفة في عدد المنتحرين عالميًّا، وهذه في الحقيقة مفارقة غريبة وعجيبة، حيث إنّه كان من البديهي والمنطقي أن تحتلّ (الدانمارك) المرتبة السفلى في عدد الانتحار ما دامت هي الأولى والأكثر سعادة في العالم، فالأرقام تشير أنّها انتقلتْ من مرتبة (27) حسب إحصائيات 2001 إلى المرتبة السابعة حسب إحصائيات 2013 من حيث عدد المنتحرين.

من خلال هذه المعادلة المريبة، حاولتُ أن أفكّ بعض الخيوط التي يتقاطع عندها مفهوم السعادة بمفهوم الانتحار في محاولة منّي لتفكيك من عالم التناقض لغزاً ما يربط بينهما، وبالفعل كان أوّل هذه الخيوط وأرفعها أثراً هو (نسق الفطرة): إذ إنّ السواد الأعظم من البشر مقتنعون أن الإنسان يولد سلفاً على الفطرة، وبالتالي فالفطرة من حيث كينونتها تقف على خطّ التّماس بين كفّتين: كفّة الجسد البيولوجي وتوابعه وكفّة الروح وقيمها، فإشباع الغريزة بكلّ ما هو مادّي مقابل الخواء الروحي يتحوّل معه الإنسان مهما كان عرقه أولونه إلى مجرّد طاقة عبثيّة تنتظر لحظة إقصاء الذّات والذي غالباً ما يأخذ شكل الانتحار، فالسعادة المادية والضمانات الاجتماعية المتنصّلة عن ضوابط الروح وقيمها هي سعادة في مهبّ الريح، إذ لا بدّ وأن تدفع بالإنسان إلى التفكير في إقصاء ذاته ليُريح ويستريح، فتصوّرْ معي بلداناً تحت خطّ الفقر ومع ذلك نجد نسبة الانتحار فيها متدنّية جدّا، هذا رغم الغموض واللبس الذي يعتري كثيراً من وقائع الانتحار في هذه الدول وذلك بسبب أنّ هناك الكثير من جرائم القتل غالباً ما تُلبسُ جهلاً أوعمداً بلباس الانتحار.. وهنا يُطرح تساؤل عريض وخطير في نفس الوقت: لماذا هناك عيّنات بذاتها من مثقفين وسياسيّين وفنّانين وغيرها من الشّرائح الاجتماعيّة داخل الدول المتقدمة تعتنق بعشقٍ كبير هذا النوع من التفكير الانتحاري؟

للجواب على هذا السؤال حاول بعض أساطين الفكر وعلم النفس في الغرب أن يضعوا يدهم على الجرح إلاّ أنّ ردودهم إذا صحّ التعبير لم تكن سوى ملْحاً رموا به على هذا الجرح ليزيد من انتفاخه واستفحاله، فهذا (ميشيل فوكو) على سبيل المثال وهو يؤسس لسوسيولوجية الجسد ذهبا بعيدا حين قال: (لذة الموت هي سقف الملذّات على الإطلاق ولا ألذّ من أن تباغث هذا الموت قبل أن يباغثك) هذه المقولة لوحدها كانت وتراً ضرب عليه كثير من كانوا في الأول متردّدين حول تنفيذ فكرة الانتحار فتحوّلوا بين عشية وضحاها وبسببها إلى قرابين على مذبح المذهب الفوكوي.. وهذا أيقونة الفكر والأدب الأمريكي (أرنست هيمنغواي) وقبل أن يضع حدّا لحياته كان يتساءل عن أيّ قيمة تبقى للمرء إذا لم يهرب بمجده وروائعه من عبث الحياة؟ وكان لهذا الكلام أيضا وقْع وأثر في حياة كثير من عشّاقه ومناصريه ممّن كانوا يخشون من أفول نجوميتهم ولذلك وخوفاً من هذا المصير وجدوا ضالتهم المنشودة في معانقة الموت على طريقة انتحار
(أرنست هيمنغواي).. وهذه أيقونة الأدب الإنجليزي (فيرجينيا وولف) حيث قامت بالانتحار غرقاً بعد أن نفّذتْ مضمون آخر جملة كتبتها في روايتها (الأمواج)، والجملة تقول: ( سأقذف نفسي أمامكَ، غير مقهورة أيها الموت، ولن أستسلم! ) وهذا طبعا ومنذ الأربعينات أي من تاريخ انتحارها سيترك بصمةً ما فتئتْ أن تحوّلت إلى موضة لدى كثير من عشاق الانتحار الذين أرادوا حسب زعمهم قهر الموت عن طريق الغرق.

نعم.. هذا غيض من فيض، فاللائحة في نسختها الغربية مليئة بنماذج بشريّة اعتنقت الفكر الانتحاري ليس اعتباطاً؟ بل بسبب ما أملاه هؤلاء المفكرون من فلسفات أثارت نوعا من الهروب التراجيدي تشفّياً في الحياة وهذا يعني ويؤكد أنّ الدول المتقدمة رغم التقدم المادي والعلمي ورغم ما توفّره من ضمانات اجتماعية وماديّة لمواطنيها يبقى خاوي الوفاض بل وغير كافٍ في غياب ظوابط دينيّة متينة تتجاوب مع فطرتهم التي جُبِلوا عليها سلفاً وبالتالي فهذا يعيدنا إلى منطق نسق الفطرة والتي تعتبر ثاني أعظم لبنة بعد الروح في تكوين وخلق الإنسان ذلك فإنّ الذي خلق العباد هوالعليم بأحوالهم، وهوالخبير بحاجاتهم جعل لهم بين الجسد والروح بوصلة الفطرة التي يهتدون من خلالها إلى حقيقة آدميتهم.. حقيقة بشريّتهم.. حقيقة وجودهم.. وصدق جلّ في علاه حين قال: {فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ} صدق الله العظيم.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.