المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

تاجموعتي نور الدين  Headshot

إلى أين يا ولدي؟ إلى دار العجزة يا أبتِ.. عقوق المثقّف أمرُّ من العلقم

تم النشر: تم التحديث:

2017-10-09-1507540740-685639-183.jpg

على امتداد رقعة عالمنا العربي، وخصوصاً في الآونة الأخيرة، تطالعنا بعض الأخبار الاجتماعية ذات الطّابع المخجِلِ والمشين وكأنها تريد هي الأخرى أن تنافس الأخبار السياسية والاقتصادية على تَصدُّرِ المشهد المُزري الذّي يعرفه اليوم مجتمعنا العربّي.. ومن بين هذه الحالات -مع الأسف الشديد- ازدياد نسبة عقوق الوالديْن في صفوف بعض المثقفين.. وإليكم هذا النموذج البشري من واقع الحياة:

الدكتور (س.ق)، 34 سنة، إنسان واعٍ ومثقفٌ حديث العهد بالعمل بإحدى الجامعات، متزوّج من عائلة ميسورة، وله طفلة في سنّ الزهور، يقطن إحدى الشّقق الفاخرة وسط المدينة؛ حيث يوجد داخل إحدى غرفها شيخٌ تجاوز مرحلة الخريف بشوطٍ غير قصير وكعادته بعد صلاة العصر، كان يخرج بجهدٍ جهيد إلى شرفة البيت؛ لينتظر بشغفٍ كبير قدوم حفيدته من الرّوضة، ملاكه الوحيد الذّي كان يُزيح عنه كثيراً من الرّتابة والملل، بلْ وبمجرّد مداعبته لها والحديث معها ينْجلي عنه بعض ركام الاكتئاب.. وكيف لا؟! وزوجته وأليفته التحقتْ بدار البقاء منذ مدّة لا تزيد عن أربعة أشهر..

وبالفعل وبعد لحظاتٍ من القيل والقال معها وبدافع الفضول البريء لدى الأطفال همستْ في أذنَيه قائلة:
* لماذا يا جدّي تريد أنْ تتركنا وترحل بعيداً عنّا؟
- الشيخ ضاحكاً يجيبها على قدّ نيّته: أتركُ أنا ملاكي.. وقرّة عيني! هذا هو أكبر المستحيلات!

* الصبيّة بإصرار: لا يمكن لأمّي أن تكذب عليّ!
- الشيخ مرّةً أخرى: إنْ قالتْ لكِ هذا الكلام فربّما على سبيل الضحك والمزاح!
* الصبيّة: إذن ستعاهدني ألا تتركنا أبداً يا جدّي؟
- الشيخ وهو لا يعلم أنّ هذا آخر عهدٍ له معها: طبعاً.. طبعاً.. أعاهدكِ بذلك.. ما دام في العمر بقيّة يا ملاكي!

يأتي الصّباح.. تدخل الخادمة إلى غرفة الشيخ، وتبدأ في جمع كلّ أغراضه الشخصيّة لتضعها في حقيبتين ثمّ تنصرف ليدخل بعدها مباشرة سيادة الدكتور قائلاً لأبيه: هيّا يا أبي! سنقوم معاً برحلة قصيرة.. وأثناء الطريق سأفسّر لك كلّ شيء!
الأب بامتعاض: لا يا ولدي، سألتزم الفراش.. فأنا لستُ على ما يرام!

سيادة الدكتور بقلق وهو ينظر إلى ساعته اليدويّة: قلت لك قُم! ورائي عمل كثير.. ولا أريد مضيعةً للوقت.. هيّا قمْ!

وبالفعل.. وأمام النّبرات العالية، والأوامر المتتالية.. يطأطئ الشيخ رأسه في ذهول محاولاً أنْ يجد رابطاً موضوعيّاً ما! بين إلحاح وغِلظة ولده المتشنّج وبين حديث حفيدته بالبارحة.

في غضون نصف ساعة تقريباً من الجولان بالسيارة، أيْقن الشيخ الوالد من خلال الحديث مع ولده، أنّ هذا الأخير منذ حوالي عشرين يوماً، قام بكلّ الإجراءات الإدارية والقانونيّة لكي يضمن له إقامة مريحة داخل دار العجزة، وأنّه أوصى به خيراً عند الإدارة المشرفة على هذه الدّار، وبالتّالي عليه أن يتأقلم مع واقعه الجديد؛ حيث هناك ثلّة من العجزة يقاربهم في السنّ يستطيع كسب صداقتهم والتمتّع بصحبتهم، وأنّه سيحاول زيارته كلّما سمحتْ له الظروف للقيام بذلك.

بجفْنٍ مغْروْرقٍ بالدّمع، نظر الشيخ الوالد إلى ولده قائلاً: لماذا فعلتَ بي هذا؟
سيادة الدكتور يجيب: بيني وبين زوجتي نفورٌ وشقاقٌ سببه أنت! ومُباشرة الرّعاية بك تتطلّب معاملة خاصّة، لا يمكن أنْ تحصل عليها باستمرار إلاّ بدار العجزة، ثمّ هناك أمور تتعلّق بالخصوصيّة عند النساء لا يمكنك أن تفهمها!

الشيخ الوالد يقاطعه: كفى، وصلت الرسالة.. وقريباً تصلك رسالتي.
نعم.. ما هي إلا لحظات ويفترق الاثنان.. وكلٌّ ذهب إلى عالمه.

بعد شهر ونيف.. اتصال هاتفي مستعجل بين إدارة دار العجزة وبين سيادة الدكتور مفادها أنّ البقاء لله، وأنّ المرحوم ترك له رسالة يتعيّنُ ستلّمها من الإدارة.

تقول الرسالة:
ولدي.. يقول الحقّ سبحانه:
(إنّ من أزواجكم وأولادكم عدوّاً لكم فاحذروهم وإن تعفوا وتصفحوا وتغفروا فإنّ الله غفور رحيم).. أقول لك يا ولدي: طمعاً في رحمة الله فقد عفوتُ عنك.. لكن قبل أن أنهي رسالتي.. عليك أن تعلم أنّه قبل أن تغادر بلدك إلى فرنسا من أجل الحصول على الدكتوراه وكنّا ساعتها نمرّ بضائقة ماليّة شديدة.. وحبّاً فيك.. وطمعاً في أن أراك سعيداً في حياتك.. وطمعاً في أنْ أكون فخوراً بك أمام الناس.. أتيتُ لك بالمال الذي أنت تعلم مقداره، ليكفيك أيّام تواجدك هناك.. بينما أنا قضيتُ سنتيْن وراء القضبان بسبب شيك بدون رصيد من جرّاء سَلَفٍ من أجل إنقاذ مستقبلك،

وفي كلّ مرة كنتَ تريد الدخول إلى البلد.. كانتْ أمك الراحلة تلحّ على بقائك هناك، حتّى تكمّل مشوارك وذلك كلّه خوفاً من أنْ تعرف الحقيقة.. وبعد خروجي من السجن ولم يبقَ على مجيئك إلا سنة تقريباً.. قمتُ ببيع الدّار وردّ الدّيون إلى أصحابها حتّى لا ألقى الله ظالماً أو متعدّياً.. وما بقي من المال نصفه للكراء والباقي كان وكما تعلم عبارة عن سيارة أهديْتها لكَ بمجرّد أنْ وطئتْ قدماك أرض المطار.. يا لسخريّة القدر! منْ أجلكَ أبيع بيتاً فتقوم أنتَ بإخراجي من بيتك! وأهديك سيّارة فتحْملني فيها إلى دار العجزة!

أخيراً.. كانت أمنيتي أن أرى حفيدتي.. لأقول لها: شكراً فإنّكِ الإنسانة الوحيدة التّي أسعدتني في هذه الدنيا بعد رحيل الغالية.. في أمان الله.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.