المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

تاجموعتي نور الدني  Headshot

هجرة الأدمغة أو رحيل الذّات الفاعلة

تم النشر: تم التحديث:

12

إنّ هجرة الأدمغة من حيث التشخيص والتمحيص، ومن خلال عواقبها الخطيرة وحلولها المستعصية، هي في عمومها هجرة ٌللذات الفاعلة، ولعلّ عالمنا العربي بات من أكثر المجتمعات التّي تعاني بنيويًّا وهيكليًّا من نزيف قاسٍ و حاد من جرّاء هجرة الأدمغة أو رحيل الذّات الفاعلة عنه، وهذا يمكن شرحه موضوعيًّا واستيعابه ضمنيًّا من حيث أنّ هذه الهجرة تعتبر من بين الأسباب المتراكمة والمباشرة في تعثر جانبين مهمّين داخل المجتمع المهجور عنه .. وهما:

الجانب الأول: تعثر مستوى تطور قوى الإنتاج للمجتمع.

الجانب الثاني: تعثر التفاعل المعرفي جرّاء غياب الذات الفاعلة.

فمن منظور الجانب الأول، أي تعثر مستوى تطور قوى الإنتاج، والذي يعتبر بحق المفتاح السحري والواقعي لمسايرة أي مجتمع ومواكبته للتقدم والتطور عمومًا، إلا إنّ غياب الذات الفاعلة، أي تلك القيمة المضافة أو الكفاءة العالية، لمنْ شأنها أن تبطّئ إلى حد بعيد، بموضوعية ذلك المستوى لتطور قوى الإنتاج وبالتالي سيتعثر التطور المرحلي كسياقٍ تاريخي لأي مجتمع غير مبالٍ بعنصر الوقت، إذْ إنّ من أدبيات هذا التطور المرحلي أنْه لا يفهم و لا يعرف على الإطلاق معنىً للتوقف أو النوم أو الانتظار.

فميادين العلم والتعلم، وحقول التحصيل و المعرفة، قد دشنتها معظم مجتمعاتنا إبّان استقلالها، بكفاءات أجنبية مكلفة جدًا، والتي و إنْ ساهمت نسبيًّا في تطوير بعض المجالات إلا إنّ البنية التحتية تعرضت للحيف والتسويف؛ ذلك أن مثل هذا البناء لا يحتاج في أساسه إلاّ إلى سواعد أبنائه، وكفاءة رجاله ونسائه.

ولعلّ اليابان خير مثال في هذا السياق، فعندما صمّم وعزم الإمبراطور(مايجي) في القرن التاسع عشر على احتضان بل واحتواء الأدمغة الفاعلة الآتية من أوروبا على اعتبار أنها نتاج محلي، يحمل بوادر النهوض الفعلي في التحريك والرفع من مستوى تطور قوى الإنتاج آنذاك كان العكس هو الصحيح في المجتمع العربي، حيث اصطدمت أغلب البعثات الطلابية الآتية من أوروبا بواقع الرفض من طرف بيئتها المحافِظة، ممّا كان له الأثر المباشر والمرجع الموضوعي في عدم اللحاق المنطقي بتطور مراحل التاريخ.

أما الجانب الثاني: أي تعثر التفاعل المعرفي والقيمي بسبب غياب الذات الفاعلة؛ فهذا يعتبر كذلك من العقبات والعقد في مجتمعاتنا، وذلك لما تختزله تلك الأدمغة والكفاءات المهاجرة من إمكانيات عقلية وقدرات علمية وملكات معرفية، يمكن الاستفادة منها عن طريق تعميمها ونشرها بالتواصل والاحتكاك بباقي شرائح المجتمع، مما سيفرز لاحقًا أنماطًا فاعلة أخرى ستكون لديها أيضا حق المبادرة والجرأة في الدفع بعملية ذلك التطور إلى الأمام، وخصوصًا إذا وظفنا عقلانيًّا هذا الاكتساح العارم للعنصر المعلوماتي والإلكتروني في حرق المراحل وتقليص البون الشاسع والفارق المهول بين جيلنا الواعد وبين تلك الأجيال التي هي الآن في طور البحث عن منظومة جديدة لدخول الألفية الجديدة تحت عنوان : (السرعة الضوئيّة ومجال استكشاف الفضاء الخارجي).

نعم أرجع وأقول: إنّ من شأن هذا التواصل وذلك الاحتكاك أنْ يخلق تعاقبًا طبيعيًّا بين الأجيال يوازي تعاقب منطق التطور المرحلي. من هنا كان يجب بالضرورة عند وقوفنا على هذه المسلمات واستقراء تلك التداعيات، البحث جديًّا والتفكير مليًّا، في كيفية إيقاف هذا النزيف لذاتنا الفاعلة وذلك بإيجاد أرضية صلبة، تقوم على شروط موضوعية أولها بسط الحوافز المُرضية، لاحتضان هذه الكفاءات واحتوائها؛ نظرًا لما تمثله من مرجعية معرفية في اللحاق بقطار التاريخ الذي لا يجب أن يختفي عن الأنظار، وإلاّ فإنّ التواكل والتبعية مصيران خطيران على البنية الأساسية والنسق العام لمجتمعاتنا ككل.