المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

سيونارا عادل طموم Headshot

إلى أين تذهب البلالين؟

تم النشر: تم التحديث:

غير ذات مرة يسألني ابني الصغير: يا ماما.. لو طارت البالونة أين تذهب؟

وفي كل مرة تكون إجابتي على حسب مزاجي يومها، فيوماً أقول له: إنها تنفجر في الجو ولا تذهب لأي مكان، ويوماً آخر أقول له: إنها تذهب عند ربنا، ولا يقتنع الولد أبداً، بل والأدهى أنني أراه عامداً متعمداً يشرع في ترك حبل البالونة من يده الصغيرة، وقبل أن أصرخ فيه ألا يفعل، يفعلها ابن الذين، ويترك البالونة تطير من يده، وكأنه يعطيها حريتها ويطلق يديها (صوت أم كلثوم من الخلفية وهي تغني: أعطني حريتي أطلق يديَّ)!

جالت هذه الخاطرة ببالي وأنا أتصفح كتاباً للأطفال تحت هذا العنوان "إلى أين تذهب البلالين؟" في مركز جيني جايجر للأزمات، الذي يساعدني وأمهات غيري تعرضن لظرف مثل ظرفي ففقدن أزواجهن وآباء أطفالهن، وهذا المركز، مثله مثل الكثير من المراكز التي تذخر بها بلاد العم سام، هو مركز ساعدت في تمويله سيدة ثرية ما اسمها جيني، لقيت حتفها بأن سقطت من شرفة تحت الإنشاء في مدينة مجاورة بعمر الـ55، يكافح العنف الأسري ويساعد السيدات المتضررات حتى لا تضطر إحداهن إلى الاستمرار بزيجة غير آدمية، وحتى يلقى أطفال تلك الزيجات الرعاية اللازمة حتى تستطيع الأم النهوض على قدميها.

يقدم المركز خدمات قانونية ومساعدات عينية وجلسات إرشاد نفسي للأم وللأطفال الذين تعرضوا لمعايشة العنف الأسري، هذا غير ورش العمل التربوية للأمهات حتى يحسّن من دورهن التربوي بما أنهن يقُمن بدور الوالدين في آن واحد.

ورغم أنني لم يتسنَّ لي إلا حضور جلستين من ورش العمل هذه، فإنني استفدت منها جداً، ولو أردت أن ألخص ما استفدته في كلمتين فهما: قضاء وقت مع الأولاد، ليس وقت المذاكرة ولكن وقت الحوار، وقت التفاعل، وقت أن نقوم بشيء مجنون معاً، نرسم لوحات كبيرة ونملأها بالغابات الخضراء، نغني أغنية سخيفة فتتعالى الضحكات، نشاهد فيلماً ربما يكون مملاً ونتناقش بعده أو حتى أثناء مشاهدته عن القيم والمبادئ التي نريد أن يتعلمها الأطفال.

نذهب إلى المتاحف، إلى حديقة الحيوان، نذهب كي نتمشى بالجوار، أضحك الآن وأنا أتذكر رحلات أمي الليلية عندما كانت تأخذني أنا وأختي مشياً على الأقدام من أرض شريف حتى باب اللوق كي نشرب عصيراً أو نأكل المثلجات وكم كانت قدمي تؤلمني من طول المشوار، لكن الألم كان يزول فور رؤيتي لحاويات المثلجات الزجاجية بألوانها المتوهجة من البرتقالي والأحمر القاني والأبيض، وكم كنت أجرب في كل مرة صنفاً جديداً (وعندما كبرت أدركت أن المسافة حقيقة "فركة كعب" وكنت أمشيها وحدي بلا أدنى معاناة، دلع ومرقعة: "ما شأن البلالين؟

مع البلالين تذكرت صورة أول امرأة مصرية نفذت حكم الخلع في زوجها، كانت صورتها على مجلة شهيرة والابتسامة تملأ شدقيها وكأنها عادت من رحلة صيد في الغابة برأس أسد!

كان المقال يتحدث عنها كإحدى سيدات الأعمال الناجحات وكيف أن ما فعلته يضاف إلى نجاحاتها المتعددة، فكرت كثيراً في هذه المرأة، في ابتسامتها، ترى هل كانت فعلاً سعيدة بفعلتها؟ وهل السيدات المعذبات بالمركز الممول من السيدة القتيلة سعيدات؟

كنت أفكر بالأمر وأنا أتصفح الكتاب بسرعة وأطوي الصفحة تلو الصفحة حتى أعرف أين تذهب أُم البلالين؟ أين؟ أين؟ كان الكتاب يتحدث عن البلالين التي تطير من الصين وتطير من تركيا وتطير من بريطانيا وتطير من إفريقيا، هل تتجمع البلالين في اجتماع كاجتماع الأمم المتحدة فوق السحاب؟

ثم فكرة أخرى تليها أفكار وأفكار وأنا لا أستطيع أن أقرأ المزيد، أريد أن أعرف وبسرعة أين تذهب البلالين؟ كان قلبي ينبض بسرعة وأنفاسي تتلاحق، وصلت لآخر صفحة أخيراً، أخيراً سأعرف أين تذهب البلالين وسأجاوب ابني بإجابة يقتنع بها فلا يعود لإفلات البلالين من يديه مرة أخرى، ها أنا سأعرف الحقيقة، كل الحقيقة، قرأت جملة واحدة أعادت إليّ صوابي وشعرت بقلبي وهو يلوح لي من صالة الوصول، كانت الجملة: "دع الأمر من بالك!"

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.