المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

سمية عطا الشخانبة Headshot

الأردن... الحُب بلونه الأخضر

تم النشر: تم التحديث:

أظنني وقعت في حبه، عيناي تفضحانني!

وأظنه لا يراني كما أراه.. أيعقل أن أحب قمراً بعيداً في السماء!

البارحة راودتني نفسي عن رغبة جامحة لاحتضان الزرع، زرع أصفر مثير كشمس ساطعة في لوحة خضراء!

اللون الأصفر يعني لي الوطن!

التقطت لنفسي صورة مع شجرة بلون الخريف ومددت يدي للتحية وطلبت من ابنتي أن تلوح لها وترسل قُبلة في الهواء.. سمعتها ترد وداعاً.

حمداً لله أن مؤسسات الحفاظ على الطبيعة لا تملك الحق بمقاضاتي على شعوري المتطرف تجاه غيمة لطيفة أشعر بشدة برغبة بالتهامها.

هل تذوقتم غيماً من قبل؟

وهل غازلتم من قبل شمساً تستيقظ لتوها لتستبيح حرمة الظلام وتحتضن الأرض بحنان بالغ يكاد يقطر سحراً؟!

ذاك بالفعل سحر يثير الجنون والرغبة بالامتلاك، حتى أكاد أمد يدي للنسيم أجمع منه ما أستطيع وأكنزه لحين لحظة يأس فأستمد منه الحياة من جديد.

تلك الحياة نفسها التي تستطيع وردة حمراء ندية أن تمنحك إياها، عندما تقتطفها أنامل الحب لتلتقطها أنامل الأمل في محاولة تعبيرية خجولة عن شعور دفين وجد في الورد ملاذاً.

ومن لا يعشق الورد الذي ما إن لمسته حتى تتسرب لك عدوى من نوع فريد يصعب تفسيرها، لكنها تختلج النفس سحراً ودفئاً وهدوءاً، فلا تكفيك "شمة" واحدة بل واحدة تلو الأخرى وكأنك مدمن لا يجد للامتناع سبيلاً!

هل جربت الإدمان قبلاً؟ هل شممت؟ أقصد ورداً!

عندما تخنقنا جدران الأسمنت الباردة، فإن الخارج هو الملاذ، وكأن كل هذا الاتساع والفراغ هو الحضن الدافئ الذي يستطيع استيعابك، حتى إنه قد يحملك بعيداً ليسرق منك شيئاً من ثقل الروح -ولو قليلاً- لتسترخي في أحضان الطبيعة ويشرد الفكر بعيداً لترتاح من زخم التركيز.

ليس كل الخارج جميلاً، بينما تتباين درجات الجمال تبايناً طردياً مع هوى النفس، ومن الجمال ما لا تنكره الأهواء جميعاً وإن اختلفت، ولا أدري أهو المنطق ما يحكم ذلك أم أن من الجمال ما يدخل ضمن الحقائق التي لا تقبل مجالاً للشك؟

أما عن هوى النفس فهو أصعب من أن يجد للحياد طريقاً، فترى النفس تميل للطبيعة التي سكنها وألفها ويبقى يشتاق للغبار وهو في غابة استوائية في مكان ما في هذا العالم، فبعد أن تطفئ الأيام شعلة الانبهار والدهشة، تخلف وراءها ظلمة لا تنيرها سوى نسمات من ذاك المكان القابع في أعمق نقطة في القلب.

ربما هذا يفسر خفقات قلبي عندما أرى تراباً أحمر في بلد يكسوه الأخضر من كل حدب وصوب حتى تكاد تظن أن لا أرض تحت هذا البساط.. أصرخ بدهشة واشتياق لأقول إنها الأردن.. الوطن.

تلك دهشة تختلف عن أخرى جعلتني أظن أن الطائرة التي تقلني والعائدة كما يفترض إلى الوطن، تهبط هبوطاً اضطرارياً في الصحراء، فغياب ما يقارب نصف الشهر عن الأردن لم ينسِني شكل الوطن ولونه؛ ليتبين لي فيما بعد أن الرؤية العمودية تختلف عن نقيضتها الأفقية.

نظرت حينها من شباك الطائرة أبحث عن الأردن الأخضر، لكن الرؤية العمودية كما أسلفت ومكان المطار الصحراوي فتح للظنون باباً صفعه قائد الطائرة في وجهي عندما أعلن الوصول.

أهكذا يبدو الأردن من الأعلى أم أن عيني ألفت اللون الأخضر حتى بات الأصفر يزعجها؟! نزلت وتوجهت للمنزل في مدينة مادبا جنوب عمان، رأيت المكان وكأنني أراه لأول مرة وشعرت بالحزن الدفين، وسألت نفسي مراراً وتكرراً: لماذا لا يتوشح اللون الأخضر هذا الوطن المنهك؟!

شعرت بغيرة شديدة حينها، وما زالت تنتابني هذه النوبة من الغيرة كلما سافرت، وكلما رأيت هذه الجنان، وددتُ لو أسعفني الحظُّ وحملتها معي؛ لينعم بها الأهل والأحبة والناس من حولي، فالجمال، وخصوصاً القابع في وجه الطبيعة، يورث الإنسان راحة وانسجاماً، وربما باستطاعة الطبيعة بكل أشكالها أن تؤثر سلباً وإيجاباً على مجتمعٍ برمَّته!

إنها حالة من "البيوفيليا" Biophilia تسيطر علينا وتغمرنا بالرضا والحب والميل نحو الحياة تشبه الدواء تماماً في مفعولها الذي تخطى حدود النفس ماداً يد العون للجسد في أيام المِحَن لتقول له: إنك الأقوى، فيشتد عوده ويصح من جديد، هذا ليس سحر.. إنه بالفعل علاج يستخدمه الأطباء.

وهنا لا أتحدث عن المناخ والتضاريس التي لا نملك لتغييرها من سبيل، لكن وجع في القلب -وهنا أتحدث عن الأردن- يفيض على مساحاتٍ مدمرةٍ بفعل الإنسان الذي ارتأى بأنانيته أن يُحيل المكان إلى صحراء عبر امتداد سكاني غير مُمنهج على أراضٍ زراعية خصبة، إلى آخرين لم تأخذهم الرأفة بشجر هرم على هذه الأرض، وأعطاها من خيره أكثر مما أخذ هذا الحطاب ثمناً لأغصانها.

حزينةٌ هذه الأراضي الشاحبة التي لم تتعدَّ كونها رقماً في ورقة ملكية.

يائسة هذه الأشجار الجميلة من زائرٍ لم يُخلف لها في ظِلها سوى أكياسٍ من القمامة المفتوحة للهواء.

نازفة هذه الطرقات من أشواك الإهمال ومخلفات السيارات، التي شوَّهت وجهها ووأدت روح الجمال فيها!

ليست المرأة وحدها من تتجمل، الأرض تتجمل كما النساء تماماً، ونحن المسؤولون هنا عن رسم هذا الجمال وتهذيبه كأفراد ومؤسسات وحكومات وليس بالأمر العسير هذا.. هذا الوطن غني مكتنز لا ينقصه سوى يد حنونة تلطف به، وتُظهر هذا الجمال المختزل تحت كل هذا الإهمال؛ لتدب فيه روح الجمال الذي اشتاقت له أعين من حُرموا منه، خصوصاً في تلك المناطق المهمشة من أي عناية.

أما عن تلك المناطق التي مَنَّ الله عليها بجمال رباني فذّ، فإن جمالها لم يرحمها وجعلها مرمى للعابثين هنا وهناك في محاولة مباشرة أو غير مباشرة لإفساد هذا الجمال البديع، خصوصاً في شمال البلاد؛ حيث الجبال الخضراء التي تشهق لها الأنفاس حباً ودهشة، وتشهق لها حزناً أيضاً عندما تدب بها نيران العبث والتخريب أو تصبح تحت رحمة التحطيب الجائر غير المنظم، فتنزع عنها شيئاً شيئاً من ثوب الجمال هذا؛ لينتهي بها الأمر عارية جدباء قاحلة لا يريدها أحد.

ليس الجمال وحده ما يشغل بال الأرض على هذا الوطن، بل فيها توق لترى ثمراً يملأ ثرى هذا الوطن ويكفي مَن عليها قوتهم من خيراتها اللامنتهية، بينما عقول سُكانها في غفلة عن هذا النداء عندما هجروا زرعهم وحصادهم واستسهلوا مد يدهم يدفعون ثمن خيراتٍ تأتيهم من الخارج بأضعاف الأثمان، والأرضُ من تحتهم تقول ها أنا لماذا لا تراني؟!

إننا نرى.. ولكن نرى الخارج بعين تختلف عن تلك التي ترى الداخل؛ فالأولى تنظر بعين الإعجاب الشديد والغيرة والكثير من المديح، بينما الثانية فلا ترى سوى بعين الإخفاق والكسل والتذمر بلا أدنى عمل رغم كل الإمكانات!

ولو أننا صححنا النظر قليلاً، وتناولنا مضادات الكسل والإحباط والتذمر تلك لكانت جنتنا أفضل من كل جنانهم، ولحصدنا كل الجمال والخير، ولعاد لسلة غذاء بلاد الشام بريقها الذي كان.

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.