المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

سمية عطا الشخانبة Headshot

هل تُقبل صلاة الأمهات؟

تم النشر: تم التحديث:

ذات يوم كان الصحابي طلحة الأنصاري -رضي الله عنه- يصلي في بستانه، فرأى طيراً يخرج من بين الشجر، فتعلقت عيناهُ بالطائر حتى نسي كم ركعة صلى، فذهب للرسول -صلى الله عليه وسلم- شاكياً يقول له: يا رسول الله، إني انشغلت بالطائر في البستان حتى نسيت كم صليت، فإني أجعل هذا البستان صدقة في سبيل الله، فضعه يا رسول الله حيث شئت لعل الله يغفر لي!

ذاك طيرٌ ألهاه! فما الحال إذا كان هناك عصفورتان لا تبرحان مكاناً حتى تعيثا فيه دماراً، فيلحقهما الفكر قبل البصر، وينشغلُ البال بصوت الثلاجة التي فُتح بابها تواً مع قول "الله أكبر"، بينما أغمض عينيّ في السجود متوترة أنتظر عصفورتي تقفز فوق ظهري تطلق ضحكات ماكرة، تعرف أني لم ولن أقول شيئاً طالما أنني لم أنهِ صلاتي بعد، بينما وفي ذات الأثناء أكاد أشعر بقلبي يغلي وعيداً فور انتهائي، أريد أن أعلمها الأدب واحترام الصلاة، وما أن أنهي صلاتي حتى تبادرني هي بالقبلات والكلام المعسول لأبدأ شوطاً جديداً من المبارزة الكلامية، التي حتماً لا تفضي إلى حل.. تماماً ككل القمم العربية ومحادثات السلام، وفض النزاع، على مر الزمان، رغم اختلاف بسيط بأنني أعقد قمة أسرية يومياً تحت رعاية "لعل وعسى"!

رجاءً، وهنا بالذات لا تسأل عن الرابط العجيب بين هذا وذاك؛ لأنني وببساطة ككل الأمهات أميل لربط الأمور ببعضها لصنع مشهد درامي كامل يوفي الموقف حقَّه.

وكنتيجة حتمية، تتحول الأم من صاحب حق يريده لظالم لا يرأف بصغير يلعب أو بآخر يكتشف العالم من حوله، فلا يخطر بباله ممارسة فضوله الخطير إلا عند سماع "الله أكبر"، وكأنه بذلك يحيي سنة مؤكدة!

وأبقى بعد كل صلاة أسأل السؤال ذاته: هل تُقبل صلاة الأمهات؟

سؤال لم يعد حكراً على أحد حتى سمعته من أكثر من أمٍ ترعى أطفالها وحدها في المنزل، فيلعبون حولها ويسرقون تركيزها وهي تتبعهم خوفاً وتوتراً، خصوصاً لو كان هناك طفل دارج يظن نفسه كبيراً يدخل في تحديات تفوق حجمه وسِنّه.

كنت أقول مراراً إن صلاتي ربما لن تُقبل إلا عندما يكبر أبنائي وينالون من الوعي والفهم نصيباً يمنحني الفرصة لأركز في صلاتي ومُناجاتي دونما قلقٍ وفكرٍ شاردٍ يجاهدُ جهاداً في سبيل لحظة وصل خالية البال لا تشوبها شائبة.

ذاك الوصل الذي لا يشابهه وصل.. واللقاء الذي لا يشبه أي لقاء.
تتأخر.. لتعود فتجده بانتظارك لا يتأخر.
تنسى.. لتعود مجدداً وتجده أيضاً لا يدير لك ظهراً!

ويمنحك بدل الفرصة ألفاً؛ لتكتسي نفسك طمأنينة لا تجدها في أي لقاء آخر، وراحة نفس تُزيل عن كاهلك هموم الدنيا، لتكاد تكون كالغمام يروي الأرض فتنمو في القلب نبتةُ أملٍ فواحة بالتفاؤل والتوكل على صاحب الأمر كله الذي إن أراد لشيء أن يكون.. يكون!

وبحسب مراتب الناس في الصلاة كما يوضحها "ابن القيم" فأجد نفسي وكل مَن مثلي في المرتبة الثالثة ممن يحافظون على حدود الصلاة وأركانها، يجاهدون النفس في دفع الوساوس والأفكار والذين وصفهم بالمشغولين بالمجاهدة؛ لئلا تُسرق صلاتهم وهم في ذلك في صلاة وجهاد.

وبالفعل.. أحياناً كثيرة تصبح الصلاة بين شد وجذب، وكأن مباراة في العقل تنعقد؛ لتتبارى الأفكار في الرأس كل يبحث عن الصدارةِ، وكلما تاهت النفسُ قليلاً شدها رباط من الحب واليقين يمنع النفس من التيه في ميمعة الدنيا.

لستُ طبعاً في محل إفتاء ولستُ أبحث عن فتوى أتكئ عليها لأزيل الحمل عن فكري، فالقلق لا تزيله سوى الطمأنينة الحقيقية التي دوماً ما تجد لها في القلب مكاناً رغم زخم الأفكار وهولها.. والفكر مهما شرد يبقى يبحث عن مرساه؛ حيثُ لكل الأحجيات حلول، ولكل القصص نهايات، ولكل المشاكل أبواب تخرج منها من حيثُ دخلت!

ويبقى يغردُ حولكِ صديقتي الأم طفلك الذي هو في مأمن معكِ، هدية من الله يأتمنك عليها لتُخرجي للعالم إنساناً حقيقياً غير مزيف، في زمن كثر فيه التقليد حتى بات فيه الإنسان ذاته محل اختبار لمعدنه!

سوف يتشاقى كثيراً ولن يتوب في الأغلب وربما احتاج الأمر لمائة محاولة فاشلة لأن نغرس فيه خصوصية الصلاة وعمقها، لكن بالتأكيد فإن المحاولة الأولى بعد المائة ستثمر، وبعض الحديث وإن بات لغواً في ظاهره وبدايته، فمن الممكن جداً أن يكون بذرة لم تنبت بعد، وستتفاجئين يوماً بزرعك ينمو ويثمر وستبكين فرحاً؛ لأن صبرك ودعاءك وصدق إخلاصك مع الله يجدي ولو بعد حين!

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.