المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

سليمان بشارات  Headshot

في محاولة استنهاض الوعي الفلسطيني

تم النشر: تم التحديث:

ما بين الوعي بالشيء والعمل به مساحة يمكن أن ترسم من خلالها معالم النجاح والفشل في تقييمنا للنتائج التي قد نحصل عليها؛ هذه المعادلة ذاتها هي منبع التفكير الواعي والجدي في نظرتنا لعملية استنهاض العمل المقاوم المبني على رؤية ووعي لن تحرفهما الكثير من المعطيات على الأرض، رغم مرور ما يمكن أن يكون بمثابة توقف مرحلي مرتبط بمتغيرات ميدانية.

ففي وعينا لمفهوم المقاومة، يستلزم الإدارك منا معرفة "العدو" أو تعريفه، وهذا يقودنا إلى الحديث أنه لا يمكن تجزئة العدو، كأن نبني رؤيتنا له من منطلق اليسار واليمين، المتدين، وغير المتدين؛ فالعدو بكل جزئياته وعناصرة يخرج من تحت إطار سياسة جامعة ترسم مسلكه ورؤيته التي تتلاقى فيما بينها عند الحديث عن الهدف الذي يسعى له، وهو عملية الإحلال على هذه البقعة الجغرافية، بمعنى استبدال المواطن والموطن بمحتل يدعي ملكيته لهذا الوطن.

هذا الفهم، يتطلب ما يمكن أن نسميه "حالة الرفض التام"، لأي من المصوغات التي قد تشكل إطاراً يمكن من خلاله تمرير حالة فكرية من شأنها إحداث نوع من القبول لدى شريحة شعبية للاحتلال ضمن فكرة أن هناك تفاوتا في نسبة عدائه.

هذا المنطلق هو ذاته الذي انطلقت منه فكرة اتفاقية أوسلو في العام 1993 التي انبثقت من مفهوم "أريحا غزة" أولا، وأن هناك أطرافاً "إسرائيلية" تبحث في تحقيق حالة من "السلام" مع الطرف الفلسطيني؛ الذي هو الآخر صَّدر نفسه على أنه يحمل بين طياته من يتفهم إمكانية التعايش مع الاحتلال تحت مظلة الدولتين لشعبين، وبين ما يمكن أن نسميه "أطرافاً معارضة لهذا الخط"، ولا ترغب في إنجاح هذا النموذج، وهو ما يتطلب من الأول أن يبعد الطرف الثاني عن المشهد بكل الوسائل المتاحة لديه.

ما تقدم طرحه، يقودنا إلى قراءة المشهد الذي ارتسمت معالمة بشكل واضح، في أعقاب جريمة المستوطنين بعد إحراقهم عائلة دوابشة واستشهاد الرضيع ابن العام ونصف (علي). وحتى نفهم الأمر بشكل أوضح، يتطلب أن نرسمه على النحو التالي:

قدرة الاحتلال في التسويق، والتي بدأت بمؤتمر صحفي لقادة جيش الاحتلال من أمام منزل العائلة بعد ساعات قليلة من وقوع الحادث، والحديث عن فتح تحقيق، وكأن ضباط الاحتلال أصبحوا أوصياء على المواطن الفلسطيني، وهمهم الوحيد معرفة ما يعكر صفو يومه.

وفي هذه النقطة لا بد من التعريج على مفهوم "الوعي"؛ الأول وهو المواطن الفلسطيني العادي، الذي بات ينظر إلى أن هناك فرقا ما بين "جنود الاحتلال"، وما بين "مستوطني الاحتلال"، وكأن الأول يمثل حالة وجود اعتيادية، أما الثاني فهو الذي بات فقط مختلفا عن الواقع المعاش، وحتى الثاني (المستوطن) أيضاً يتعامل معه كأنه أمر واقع يمكن القبول به إلا في بعض الحالات التي تصل إلى حد القتل أو الاستهداف المباشر لحياة الفلسطيني!.

واستطاع الاحتلال أن يصور "منفذي العمل الإرهابي" كأنهم العدو المشترك للفلسطيني والإسرائيلي، إلا أن الاحتلال في ذات الوقت لا يتخلى عن توفير الأمن له، وهي حالة يحاول الاحتلال من خلالها تزييف حال الوعي الفلسطيني بشكل درامي، بحيث تحدث حالة من التناقض المعرفي لدى الإنسان العادي ونظرته لمفهوم الاحتلال.

أما الطرف الثاني؛ فهو الدبلومامسية الرسمية فلسطينياً، التي باتت تعيش حالة التصريح على حساب وضع استراتيجية إيصال الرسائل إلى العالم بشكل يخرج بالقالب العاطفي على حساب الخطوات المدروسة؛ فكان حرياً أن يكون أول من يسجل كلماته أمام هذا المشهد الأليم هو قادة الدبلوماسية الفلسطينية، من رئاسة السلطة، ووزراء الحكومة على رأسهم الخارجية والعدل، وسد حالة الفراغ التي جعلت ضباط الاحتلال يتصدرون مشهد المدافع عن الحق الفلسطيني من أمام المنزل المحروق! وكان الحديث عن الذهاب إلى الجنائية، وكأن الهدف هو ملء الفراغ السياسي بأمنيات المواطن!

الطرف الثالث؛ يتمثل في الأدوات الإعلامية والقائمين على مضمون الرسالة، وهو ما يمكن أن تحدث فيه حالة من المقارنة، مابين معالجة إعلام الاحتلال للحادثة، والذي نقلها وكأنه مدافع عن الضحية تحت ذريعة أن من قام بها "يمثل ذاته"، ولا "يمثل سياسة الاحتلال" القائمة على القتل والتدمير، وما بين إعلام فلسطيني عربي تشتت في تغطيته ما بين العاطفة، والمواقف الرسمية، وما بين متهم، وآخر يبرر، وما بين من يحاول أن يظهر أنه صاحب الكلمة الأولى.

فمن متابعة إعلام الاحتلال في أعقاب الجريمة، لاحظنا بأنه برز وكأنه ذو اهتمام بتغطية الحدث أكثر من الاهتمام الفلسطيني، إذ استطاع الإعلام العبري أن يقدم رسالة ذات مضمون على صعيد دولي يبرهن من خلالها أن سياسة الاحتلال ومؤسساته لا تلتقي وسياسة المستوطنين، وهذا مناف للحقيقة والواقع، ورسالة أخرى للشارع الفلسطيني الذي يعيش حالة من الغليان الهدف منها امتصاص أي تطورات على الأرض من خلال إبراز تصريحات قادة الاحتلال الرافضة للجريمة، وأخرى تبرز حجم التعاطف مع العائلة عبر متابعة حالتها الصحية في المشافي داخل الأراضي المحتلة عام48، إلى جانب تكاملية الدور في خطوات رئيس حكومة الاحتلال المتمثلة أولا في زيارة أفراد العائلة المصابين بالمستشفى، والحديث إلى الرئيس الفلسطيني معبراً عن تضامنه وأسفه لهذا العمل!

الفهم الفلسطيني للجريمة؛ وهذا المحور الثاني الذي يمكن من خلاله فهم الواقع الذي ارتسم في أعقاب جريمة المستوطنين، فقد بدأت خيوط الوعي الفلسطيني تنسج بنوع من "ضياع في إدراك" حجم وخطورة هذا الحدث، وإمكانية الانطلاق منه إلى ما يمكن أن نسميه "حماية الحقوق الإنسانية" للفلسطيني الذي يعاني جراء الاحتلال.

فما حدث في "دوما" لم يكن الحدث الأول، ولن يكون الحدث الأخير، كما أنه لا ينفصل عن واقع احتلال يستغل كل أدواته في ممارسة حالة "الإرهاب" ضد مواطنين عزل. فأوراق الضغط القوية والظروف تجعل الطريق ممهدة أمام التركيبة الفلسطينية (من رأس الهرم في القيادة السياسية وحتى أصغر طفل)، وهي حالة جامعة يمكن أن تسند اي خطوات تدفع باتجاه المطالبة بالحق الفلسطيني.
ليس ذلك فحسب؛ بل إن حالة "الانفصال في الوعي الفلسطيني" حالت دون التفريق ما بين إمكانية الإنشغال بالمناكفات على حساب مواجهة العدو، بل كيف يمكن أن نبني على هذه النقطة "الحادثة" حالة من التحول في مفهوم معرفة الخطر الحقيقي وآلية التصدي له.

خلاصة القول، أن الاحتلال استطاع أن يدخل إلى الوعي الفلسطيني، ويغرس فيه أن من قام بهذه الجريمة، هو ظاهرة تسعى لتحقيق ذات الهدف على مستوى الاحتلال والفلسطينيين، وهو ما يعني أن الاحتلال حول من نفسه ضحية تبحث عن حماية وأمن أكثر من الإنسان الفلسطيني الذي يعيش تحت سياط هذا الاحتلال.

هذه الحالة المتقدمة في مفهوم تحويل الوعي، أو محاولة غرس وعي جديد لدى الإنسان الفلسطيني، ما كان لها أن تحدث، لو كان هناك ما يمهد لها من ممارسات على الأرض من جانب، ومن جانب آخر محاولة إشغال الفكر الفلسطيني بمفهوم تطويع الجغرافيا لاستيعاب الاحتلال بمكوناته بشكل قد يدفعنا إلى ترداد المثل الشعبي "البيت الضيق بيوسع لمائة صديق".