المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

سهير أومري Headshot

خرج ولن يعود (حكاية الشعب السوري)

تم النشر: تم التحديث:

"سوريا قلب العروبة النابض".. عبارة زرعها نظام البعث في نفوسنا على مدى سنوات حكمه الأربعين، على نحو أشعرنا بما لسوريا من مكانة عظيمة سواء من الناحية الجغرافية أو الإقليمية أو الإستراتيجية.

ومع شعارات "الممانعة والمقاومة" و"الصمود والتصدي" نشأت أجيال مقتنعة أن كل ما نحن فيه من ضيق مادي واقتصادي ضروريٌّ لبلد يقف حاكمه في مواجهة العدو، ويضع في أولوياته عدم الركوع له.

ولم تكن آلة الإقناع هذه وحدها لتنجح لولا منظومة فكرية ذات قواعد دينية تربى عليها الشعب السوري بنى عليها الشيوخ والعلماء الكثير من دروسهم وخطبهم ومواعظهم.. ترتكز على كون الشام -سوريا تحديداً بنظرهم- أرض المحشر والمنشر، وملجأ الناس يوم الملحمة الكبرى، ومأوى لهم من فتن الأرض، هذا عدا عن أن الملائكة تبسط أجنحتها لتحمي الشام.

هذه الفكرة التي نشأت عنها عبارة "سوريا الله حاميها"، كل هذا تعاونَ ليشكل عقلاً جمعيًّا اقتنع وفقه السوريون أن من يحكمهم هو الأنسب لهم، وأن بلدهم يتمتع بحصانة إلهية تحميه، وحتى لو تعرضت لسوء فليس عليهم أن يفعلوا شيئاً ما دام الله تعالى سخر لها مَن يحميها.

قناعة كانت تبدو عميقة جدًّا، حتى قامت الثورة السورية لتمنح السوريين جرعات من الإنعاش، وتعيد لهم الوعي، وتزيل عنهم ما كان يخدِّر أفكارهم من قناعات زائفة، ولتسقط الأقنعة عن الشعارات الكاذبة، وليظهر "قلبُ العروبة النابض" إنه ليس أكثر من "قلب روسي بأوردة إيرانية ودماء طائفية" وأن "الممانعة والمقاومة" ليست إلا منعاً لتعرض إسرائيل لأي أذى، ومقاومة لأي نداء يطالب بالحرية أو الكرامة أو العدالة..

وحتى الأحاديث الدينية التي تتحدث عن فضل الشام، أدرك السوريون كيف تم استثمارها وتأويلها على نحو يخدِّر ضمائرهم، ويدفعهم نحو المزيد من الخنوع والخضوع، وتبدّى لهم أن فضل الشام لا يمكن أن يكون ضمن واقعها الحالي، فكيف تكون كذلك لشعب يقبل بحكم طائفي هو في الحقيقة ذراعٌ لتنفيذ مخطط إيراني لإقامة الهلال الشيعي المزعوم؟

أما الملائكة التي تبسط أجنحتها لتحمي سوريا فهي ما أشار إليه "يوسف زيدان" في كتابه "متاهات الوهم" على أنها أحد الأوهام التي اعتاد المستبدون والطغاة أن يرسِّخوها في عقول شعوبهم ليقبلوا بالوضع الراهن مهما كان سيئاً، ويتركوا أمر الدفاع واسترداد الحقوق لله تعالى الذي تعهد بالحماية، وهذا لا يقتصر على سوريا فحسب، بل مصر أيضاً تسمى "المحروسة" حتى صار اسم "المحروسة" علماً لها إذا قيل وحده عُرِفت به.. إلا أن الشعب السوري أدرك أن مصداق أحاديث رسول الله ليس لواقع كواقعهم، وأن عليهم أن يثوروا ليصلوا ببلدهم إلى حال تُحقِق للشام فضلها، وتجعلها جديرة بحماية الله لها..
إدراك متأخر بذل السوريون في سبيله أثماناً باهظة، ومع اقتراب دخول الثورة عامها السادس تطالعنا إحصائيات التوثيق لما بذله السوريون على مدى خمسة أعوام من أنواع الألم والعذاب، فقد نشر قسم الإحصاء في "مركز دراسات الجمهورية الديمقراطية" آخر تحديث لعدد ضحايا جرائم النظام السوري حتى نهاية شهر تشرين الأول/أكتوبر 2015 وعلى مدى 55 شهراً ونصف/ 1691 يوماً، وكانت كما يلي:

• عدد الشهداء الموثقين بشكل كامل: 151,685 شهيداً بينهم 3,600 فلسطيني، و6,970 شهيدا من الأطفال، و16,155 شهيدة من النساء، و12,010 شهداء تحت التعذيب.
• نسبة الشهداء الأطفال 11.19%، نسبة الشهيدات النساء 10.65%، نسبة الشهداء تحت التعذيب: 7.92%.
• عدد الشهداء التقديري 280,000 شهيدٍ (82% منهم مدنيون)
• عدد الجرحى التقريبي فوق 262,270
• عدد المعتقلين التقريبي فوق 282,195 (يشمل جزءاً من المعتقلين الذين خرجوا)
• عدد المفقودين التقريبي فوق 109,535
• عدد اللاجئين خارج سورية فوق 4,450،940
• عدد النازحين داخل سورية فوق 9,100,000
• مجموع عدد ضحايا العنف 14,356,625 (شهداء، جرحى، معتقلين، مفقودين، لاجئين، نازحين)
• عدد أفراد الأسر المتأثرة 70% من تعداد الشعب السوري: 19,719,680 (أسر الشهداء، أسر الجرحى، أسر المعتقلين، أسر المفقودين، اللاجئين، النازحين).
• عدد الأسر التي أصبحت بدون معيل: نحو 144,000 أسرة (نحو مليون فرد).

أرقام مصنوعة من دماء السوريين وعذاباتهم، أرقامٌ تكسرت على عتباتها كل أساطير السفاح، وطاحت في محرابها كلُّ ادعاءات الأمم التي ليست متحدة إلا لأجل مصالحها.. أرقام تؤكد أن سوريا لن ترجع كما كانت، وأن السوريين عندما خرجوا لأجل الحرية ساروا في طريق ذي اتجاه واحد يسطرون للبشرية أسطورة شعب خرج ولن يعود...

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.