المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

سهير أومري Headshot

الدين للوطن والوطن للبيع !

تم النشر: تم التحديث:

إذا كان الإسلام ينظم حياتنا من لحظة سماع الوليد نداء الأذان عند الولادة، وحتى الصلاة عليه عند الوفاة مروراً بكل ما يتعلق بتفاصيل حياته من أحكام البيع والشراء والميراث والزواج والطلاق وحتى دخول البيت والسوق وغيرها، أفلا يكون من البديهي أن يكون الإسلام شاملاً حياتنا السياسية بكل ما فيها من أنظمة الحكم واختيار الحاكم وطريقة حكمه؟! أليس الإسلام نظام حياة؟! والسياسة والأوطان جزء من الحياة؟!

ألم يحكم رسول الله صلى الله عليه وسلم بالإسلام، وبه حكم الخلفاء الأربعة من بعده، فبنوا أمة وحضارة يشهد لها العدو قبل الصديق؟!

لماذا ينكر كثير من المسلمين اليوم الإسلام السياسي، وينادون بضرورة قيام الدولة المدنية التي لا مرجعية فيها لدين أو شريعة سماوية، والتي تضبط حياة مواطنيها القوانينُ الوضعية، بحيث يكون ما لقيصر لقيصر وما لله لله، ويكون الدين لله والوطن للجميع؟

الجواب:
أن السبب في ذلك هو أن التاريخ الحديث لم يقدم نماذج لفئات تبنَّت فكرة الإسلام السياسي واستطاعت تأسيس دولة أو نظام حكم يحقق للناس السبب الذي لأجله كان الإسلام، ولأجله نزل القرآن، يحقق مقاصد الشريعة التي حرص عليها الشارع، وجعل الأحكام والتشريعات التي سنَّها تتفق على حمايتها وصونها، بما فيها من تحقيق مصالح العباد ودفع المفاسد عنهم، وحفظ دينهم وحياتهم وعقلهم ونسلهم وأموالهم، هذه المقاصد التي وعاها جيل الصحابة والخلفاء الراشدون حتى بلغت الأمة في عهد عمر بن الخطاب من الحضارة ما لم تبلغه في عهد رسول الله نفسه، وما ذلك إلا لتصل لنا رسالة أن ارتقاء الأمة وبلوغها ذرا المجد أمرٌ ممكن لكل من يحكم بنهج عمر.

ولو بلغت الأمة أوج الحضارة في عصر رسول الله لاعتقد المسلمون أن هذا من جملة الإعجاز الذي اختص به رسول الله، ولا يمكن لحاكم بعده أن يحقق ذلك للأمة، ولكن الأمر كان في عهد عمر، عمر الذي حكم بموجب وعيه لمقاصد الشرع، فكان الأول في إقرار أحكامٍ وإجراءات لم توجد قبله، ومَنْعِ أحكام وإجراءات أخرى لم تُمنع قبله.

فكان أول من ألغى إعطاء الصدقات للمؤلفة قلوبهم، وأول من جمع المسلمين في صلاة التراويح في المسجد، وأول من وضع تأريخاً للمسلمين محدداً بهجرة رسول الله، وأول من عسّ في الليل بنفسه، وعقد مؤتمرات سنوية للقادة والولاة وحاسبهم في موسم الحج، وأول من مصّر الأمصار ومهّد الطرق، وأسقط الجزية عن الفقراء والعجزة من أهل الكتاب، وجعل الجزية بحسب الوضع المعاشي، وأول من أمر بالتجنيد الإجباري للشباب والقادرين، وحرس الحدود بالجند، ودوّن الدواوين، وجعل الخلافة شورى بين عدد محدد، وأوقف في الإسلام أي (اتخذ الأوقاف)، وجعل حصةً تموينية لكل فرد شهرياً، وساوى فيها بين الرجل والمرأة الحر والعبد، وأول من أحصى أموال عُمّاله وقاداته وولاته، وحفر الأنهار والقنوات، وضرب الدراهم وقدّر وزنها، وأقرض الفائض من بيت المال للتجارة، وعيّن امرأةً في منصب المحاسب أو الوزير، وقنن علاج الحيوانات المصابة، وأمر بالتعليم الإلزامي، وجعل التعليم مجانياً، ووفّر المساعدة لذوي الحاجات الخاصة، وأصدر قانوناً يحارب الدجل والشعوذة، ومنع الفاتحين من شراء العقارات من أهل الذمة في الأمصار المفتوحة، وجعل من استصلاح الأرض وإحيائها سبباً لدوام ملكيتها.

وأمور كثيرة غيرها كان الأول في إيجادها أو منعها، دون أن يكون عمله هذا بدعة ابتدعها على الشرع، أو تجاوزاً تجاوز به أحكام الدين، إنها عقلية عمر التي وعت أن من أهم أسرار إعجاز القرآن الكريم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يقدِّم لنا تفسيراً حرفياً لآياته وسوره، ولو فعل ذلك لكانت مدلولات الآيات محدودةً بأدوات عصره ومعارفه، ولكنه تركه ليكون بحراً معجزاً يمكن في كل عصر اكتشاف أسرار جديدة فيه، وفهم معان أخرى بحسب أدوات كل عصر ومدركاته.

الأمر الذي يقف المسلمون منه اليوم بين تيارين:
أحدهما يميل نحو التفريط، فيلوي أعناق النصوص ويطوعها لتحليل الحرام أو تحريم الحلال.

والآخر يميل نحو التطرف، فيقف عند النصوص مضفياً عليها فهماً متشدداً يخرجها عن مقاصدها، بل ويجعلها بعيدة كل البعد عمّا أُنزلت من أجله، كما نجد اليوم في السيوف التي تعلو لتقطع الرقاب، وفي الأجساد التي تنفجر لتقتل المدنيين، دون أن تحقق للأمة علواً أو مكانة، ناهيك عن عمارة الأرض وإصلاحها على نحو يبدو فيه هؤلاء تجار سوء يجعلون من الدين وسيلة لبسط النفوذ والحكم، حتى إذا تم لهم ما أرادوا فسيطروا وتحكّموا وتمكّنوا لم يكن حكمهم في الأرض إلا توطئة لاحتلالها وإذلالها وبيعها، مبتعدين بذلك عن شعار (الدين لله والوطن للجميع) ليكون لسان حالهم: (الدين للوطن والوطن للبيع).

ويبقى سوء تطبيق الشريعة لا يثبت عدم أهليتها ولا ينفي صلاحيتها، بل يُبرز الحاجة الماسة لوعي ينبذ التفريط ويجلو عن الأفهام التطرف، فيخرج بها عن التقولب بالمصطلحات ومدلولاتها، ويفسح المجال لإماطة اللثام عن سوء فهم الأحكام، ويعيد العرى الوثيقة بينها وبين المقاصد الكبرى التي أُنزل القرآن من أجلها.
حاجة ماسّة تطل برأسها في أرض موات تنتظر من يحييها!

___________________________________
1- المعلومات من كتاب: "استرداد عمر من السيرة إلى المسيرة" للكاتب الدكتور: أحمد خيري العمري

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.