المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

صهيب الزبيدي Headshot

ليلة الاعتقال

تم النشر: تم التحديث:

كان أبي يمثل لي كل شيء.. المشروع، القضية، الشجاعة، اﻹصرار، التحدي.. الحق نعم الحق.. كان يصل الليل بالنهار من أجل أن يحقق أهدافه وينهض بديالى من جديد.. وقف بوجه القاعدة.. ووقف بوجه الميليشيات.. ولهذا فإنه أوقف المشروع الذي يديره من أسس القاعدة والميليشيات معاً.. كنا صغارا.. أنا وأختي، وكنا ﻻ نراه إﻻ قليلاً.. يخرج من الصباح وﻻ يعود إﻻ ليلاً.

وفي يوم الاثنين الموافق 18/8/ 2008. وقع شيء لم أنسَه ولن أنساه ما حييت، وقد ﻻ ينساه الكثير من أطفال أمتي الذين مروا بمثل ما مررت به.. نمت مبتسماً وأنا أحلم بيوم جديد.. كنت أتمنى أن أصحو على صباح مليء بالألعاب واللهو والفرح، ولكنني صحوت على أصوات الإطلاقات النارية، كان الظلام دامساً، وكان الطرق على باب دارنا شديداً.

أمي والرعب يملأ خافقيها: من أنتم؟ فيجيبونها صارخين: افتحوا الباب!
أمي تركض نحو حجابها.. فيكسرون الباب بركلات أقدامهم، ويدخلون وهم يرددون الشتائم المغلفة بعبارات طائفية!

أنا وأختي نختبئ تحت بعض الأغطية، فيأتي أحدهم ويقول لنا: ﻻ تخافوا!!
الجنود ينتشرون في جميع أرجاء البيت يكسرون اﻷثاث، ويسرقون المقتنيات حتى جوالي البسيط لم يسلم منهم.. لم يسرقوا جوالي فقط، سرقوا فرحتي، وطفولتي، وحبي للوطن..
بحثوا في كل أرجاء الدار فلم يجدوا ما يبحثون عنه، سمعت نداءهم عبر أجهزتهم اللاسلكية: (أمسكنا الغزال وبقي الأسد(!!، فعندها علمنا أنهم يبحثون عن أبي، عن الأسد؛ حيث اعتقلوا صديقه (الغزال) وهو رئيس جامعة ديالى، وبقي (الأسد) والدي.

حتى هم كانوا يعترفون أن والدي أسد؛ ﻷنه كان يرعبهم ويهدد مشروعهم من خلال موقعه؛ حيث كان والدي (رئيساً للجنة الأمنية في محافظة ديالى)، وكان يقف حجر عثرة أمام مخططهم اﻵثم الذين يريدون من خلاله تغيير صورة ديالى ومسخ هويتها.
خرجوا بعدها من دارنا ليتركوا ركاماً من اﻷسى والألم والدهشة.. خرجوا بعد أن ألقوا ثلاث قنابل صوتية ما زال صوتها يملأ أذني!!

وبقيت حائراً أتساءل في داخلي: ماذا أفعل؟

أأخرج ﻷخبر أبي الذي كان موجوداً في مجلس المحافظة أم أقرب عائلتي؟ وعندما هممت بالخروج منعتني والدتي خوفاً عليَّ.

بعد نصف ساعة تقريباً بدأت المواجهات بين أنصار أبي وبين القوة القادمة من بغداد بأمر الطاغية المالكي.. وحدثت مواجهات عنيفة انتهت بأمر قادم من بغداد، كنا نختبئ تحت سلم الدار خوفاً من الاشتباكات... أنا، أمي، أختي..

أرى الدموع والذهول في عيني والدتي.. وأرى الخوف والرعب في وجه أختي، أما أنا فكنت مليئاً بالحنق والغضب على الظالمين.

توقفت المواجهات.. ومضت ساعات الليل ثقيلة.. واستيقظنا على خبر اعتقال أبي.. خبر أذهل الجميع، ولكن هذا الخبر زادني إصراراً وإيماناً بقضيتي؛ لذلك عزمت على أن أتفوق وأصبح ذاك الابن الذي يريدني أن أكونه.

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.