المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

 سعاد ماهر شوقى Headshot

وتبقى العربيّةُ.. ملء الوجدانِ وملء القلبِ

تم النشر: تم التحديث:

أصاب الحق كعادته أمير المؤمنين عُمر حينما قال قولته الشهيرة "تعلموا العربية فإنها تثبت القلب وتزيد المروءة".. شكراً لكل أساتذتنا الأفاضل الذين علمونا اللغة العربية بحب وضمير، والذين لم يتكاسلوا لحظة عن تعليمنا كيف نتذوق جمال اللغة وكيف نعرب ونشتق ونبحث في المعجم، وكيف نتذوق المعنى، وكيف نكتشفه، وكيف نعبر عنه، وكيف نكتبه، الذين حدثونا بشغف عن اللغة من خلال نوادرها التراثية، كبيت الشعر الذي قتل صاحبه "المتنبي"، وواو "النُدبة" في صرخة "وامعتصماه" التاريخية.

شكراً لأساتذتنا الأفاضل الذين علمونا اللغة كما ينبغي أن نتعلمها أدباً وتاريخاً، فبدأوا بعنترة وشعره الجاهلي الذي لم يترك وجداننا منذ أن قرأناه حتى غنته السيدة فيروز وقالت:

ولقد ذكرتك والرماحُ نواهل مني وبيض الهند تقطر من دمي

فوددتُ تقبيلَ السيوف لأنها لمعت كبارق ثغرك المتبسم

ثم نأتي على شعر بني أمية وهو امتداد للشعر الجاهلي فيقول أبو تمام بيت شعره الأشهر الذي لا يفتأ أغلبنا يردده عند كل ذكرى حبٍ قديم فنُنشِد في حنين:

نقل فؤادك حيث شئت من الهوى ** ما الحب إلا للحبيبِ الأولِ

كم منزل في الأرض يألفه الفتى ** وحنينه أبداً لأول منزلِ

ثم يأخذنا الأساتذة إلى العصر العباسيّ بما فيه من بذخ وترف وزخم ثقافي؛ حيث قرب الخلفاء الشعراء وأعطوهم الأموال والمناصب.

ونحن حينما نتحدث عن شعر العباسيين فليس هناك إلا المتنبي؛ شاعر الحكمة الأشهر بين العباسيين بل العرب كلهم على اختلاف عصورهم ودولهم وربما إلى يومنا هذا.. فتطرب إذ تقرأ له:

إذا ساء فعلُ المرءِ ساءتْ ظنونُه ** وصدّقَ ما يعتادهُ من توهّـــــمِ

ثم بيته الرائع فيمن يدَّعون الشجاعة ولكم هم كثرُ تلك الأيام:

إن السلاح جميع الناس تحمله ** وليس كل ذوات المخلب السبعَ

وغيره الكثير من شعر الحكمة الذي تلتقطه القلوب التقاطاً لشدة جماله وإحكامه.

ثم يفتحون لنا دنيا الشعر الأندلسي بجماله ونعومة معانيه، وليس أروع من قصائد ابن زيدون مثالاً كقصيدته الشهيرة المسماة بالـ"النونية"؛ نظراً لانتهاء أبياتها كلها بحرف النون، وهي القصيدة الأشهر في حبه لولادة بنت المستكفي، الأميرة الأموية التي كانت تبادله الحب والشعر، حتى حدث الخلاف بينهما فافترقا وترك قرطبة؛ حيث كانت تعيش هي إلى إشبيلية حيث أكرمه ملوك بني عباد هناك.. ولكنه حنَّ إلى حبه الذي لم ينسَه ساعة فأنشد يقول:

أضحى التنائي بديلاً من تدانينا ** وناب عن طيب لقيانا تجافينا

بنتم وبنا فما ابتلت جوانحنا ** شوقاً إليكم ولا جفت مآقينا

ثم الموشحات وجمالها، فتجدك تطرب لابن عبد ربه الأندلسي؛ إذ يُنشدُ:

أعطيتُهُ ما سأَلا حكَّمتهُ لوْ عدلا
وهَبْتُهُ روحي فما أدري بهِ ما فعلا

كل ذلك الشعر بما ارتبط به من أحداث تاريخية وسمات اجتماعية وملابسات سياسية؛ كل ذلك كانوا يهتمون بشرحه لنا بشغف حتى صارت اللغة لنا شغفاً وصندوقاً من الحكايات والنوادر وليس مجرد قواعد وحفظ.

وليس ذلك فقط بل ربطوا اللغة لدينا أيضاً بالأخلاق فحدثونا عن مقولات الصحابة الشهيرة البديعة بياناً ومعنى، كصيغة أفعل للتفضيل في قول سيدنا أبي بكر "أكيس الكيس التقوى، وأحمق الحمق الفجور، وأصدق الصدق الأمانة، وأكذب الكذب الخيانة".

وجمال التشبيه في قول سيدنا علي: "الصبر مَطية لا تكبو".

الذين كانوا يكتبون الآية القرآنية ويتناولونها إعراباً وشرحاً جمالياً وبلاغياً بانتشاء ما زال يسكننا بعد أن تعلمناه منهم كقوله تعالى: "فسيكفيكهم الله" و"أنلزمكموها وأنتم لها كارهون"، ثم كيف أن القرآن الكريم من أساليبه البلاغية، أنه يعبر عن المستقبل بالفعل الماضي، تحقيقاً لوقوعه، وكأنه وقع، يعني بهذا الذي وعد الله به مثل قوله تعالى: "أتى أمر الله فلا تستعجلوه".. وغيرها من آيات كتاب الله البديعة المحكمة المعنى والبيان.

شكراً لأساتذتنا الذين لم يعلمونا اللغةَ العربية فقط، لا بل الثقافة العربية كلها.

وشكراً من القلب لأبي -رحمة الله عليه- الذي علم أبناءه عشق الثقافة العربية بكل ما تحمل الكلمة من معنى، فكان يسمعنا الشعر ويتندر بأمثال العرب القديمة، مثل: "جنت على نفسها براقش" و"عاد بخفي حنين" وغيرها، الذي كان يقرأ القرآن على مسامعنا بنطق صحيح يملؤه جلال المعنى.

أبي الذي كان يردد أبيات الأطلال لناجي.. ولا تكذبي لكامل الشناوي.. وقارئة الفنجان لنزار.. وغيرهم الكثير.

شكرا لك أبي الحبيب.. شكراً لأساتذتنا.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.