المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

 سعاد ماهر شوقى Headshot

أعاصير الساعات الأخيرة

تم النشر: تم التحديث:

المشهد الأول: في الساعات الأخيرة قبل أن تنهي عملها، كانت أنفاسها تدخل وتخرج ببطء، كأنها في اختبار عملي لإبطال عمل متفجرات، أية فروق في الأرقام تعني أن هناك خللاً في النظام وأن هناك عملاً طويلاً شاقاً سوف يعاد من جديد.

وعلى العكس، كلما تطابقت الأرقام تنفَّست الصعداء، ثم تبدأ تدقق النظر في الأرقام التي ترتكز على رؤوس الأعمدة الزرقاء والحمراء، تحرِّك الأعمدة المنزلقة يميناً ويساراً، وصعوداً وهبوطاً؛ حتى ترى الصورة كاملة، ثم تعود لأشكال بيانية سابقة تنتقي منها ما سيصلح لاكتمال الرؤية.

هي محللة البيانات التي طالما صنعت النظام من البيانات المبعثرة ووصلت إلى المعنى الضائع وسط ركام الأرقام. دوماً تبحث عن الدقة والوضوح، لاهثةً دوماً خلف ما يستفز عقلها المدرَّب على اختبار الفرضيات.

تمسك بطرف أصابعها فنجان قهوتها السوداء الداكنة وتدقق النظر في شاشة الحاسوب أمامها، يزداد ضجيج الأرقام، تتداخل الألوان والأشكال حتى تكاد تُجَنُّ، فتدقق أكثر؛ حتى تستخلص من وسط هذا الضجيج الجمل الواضحة، والمعاني التي لا لبس فيها، تبتسم في نشوة، فالوقت والجهد الطويل تنساهما حينما تنفك ألغاز الأرقام المبعثرة.

في كل مرة تنهي ذاك العمل الذي اختارته تقسم ألّا تعود إليه؛ لشدّ ما يجهدها عقلاً وذهناً وبصراً، ولكنها بداية كل عام تعود، تعود لأنه يغذي عقلها ويمرِّنه، تلك الفتاة التي تحرص على رشاقة ذهنها تماماً كما تحرص على رشاقة مظهرها.

تؤمنُ دوماً بأن الجمال لا يتجزأ، والجمال الظاهر لا بد له من عقل جميل حتى تكتمل قيمته، وربما كانت تلك هي مشكلتها دوماً، أنها تمرّن عقلها، فأصبح لا ينصاع لما هو غير مقنع، ولا يسَلّم للأمر إلا بعد أن يأخذ معه حقه من التفكير، ذاك العقل الذي يستطيع أن يلتقط تفاصيل الأفعال كما يلتقط تفاصيل الأرقام، كان يتعبها، فكانت تحاول أن تقصر نشاطه فقط على الأرقام؛ كي لا يُجَن.

في كل مرة تعتصرها الأرقام، تتردد الأسئلة ذاتها في نفسها لمَ لمْ ترضي بالجلسات المريحة والمسؤوليات الهينة؟ أو حتى اللامسؤولية، لمَ لمْ تكتفي بالسطحي من كل شيء؟

أبى عقلها دوماً أن يسكن.. عقلها الذي يفكر ويحلل، ويحول كل ما حوله إلى ظواهر وأرقام وجداول، هو الذي جعلها تغضب كثيراً عند اكتشاف الكذب، وتبتعد عن الكثير لأنهم ليسوا قاطعي المبادئ، مثل أرقامها القاطعة. العقل هو ما جعلها تترك الحب مراراً وتختار الأسى؛ لأن الحب لم يحصل على درجة النجاح أو حتى القبول المقنع أبداً حينما يتقدم بأوراقه لها.

تعلمت أن لا عشوائية ولا مجازفة أو عبثية في الحياة، وأن القلب قد ظُلِم كثيراً حينما نسبوا إليه رعونة الأفعال، فرعونة الأفعال أساسها كان دوماً قلة الوعي وسطحية الإدراك.
تعلمَت من الأرقام الكثير؛ تعلمت أن المعنى لكي تصلَ إليه فلا بد لك من صورة كاملة، والصورة الكاملة بحاجة إلى وقت كافٍ لكي تتكون، والنفاذ إلى خلاصة الأمر يحتاج دوماً للتأني والتمهل.

علّمَها عملها ألّا تكون مائعة الرأي؛ فالرأي الواهي كالثوب المهلهل لا يستر صاحبه، تعلّمَت ألّا تكون متسرعة القرارات، فكل شيء تفكر فيه يأخذ وقته جيداً، وكل قرار قبله دراسة. وكَلِمتُها لا تخرج إلا وهي تحسب حساباتها جيداً وتعرف من أين سوف تبدأ وإلامَ سوف ترمي. كان المهم دوماً عندها أن تقول ما تشعر به وتعرف أنه صحيح، لكنّها اكتشفت أنّ هذا لم يكن بالشيء الصواب على الدوام.

تعلمَت أن البشر مثل الأرقام، توجد أرقام كبيرة تحفظ قدرها في الأزَمات، وأخرى كبيرة لكنها قد تتأثر، وهناك أرقام صغيرة لكنها تصنع تحسناً كبيراً ملحوظاً، وأنه ليست كل الأرقام الكبيرة بالضرورة أرقام جيدة، كما أن الأرقام الضخمة بفارق غير طبيعي عمن حولها دوماً بحاجة لتدقيق؛ لأنه غالباً يكون خلفها خلل ما في الحسابات.

ولأنّ لكل قمرٍ منير وجههُ المظلم، كانت الأرقام هي ملاذها من الأسى، أسى تذكُّر كل ما مضى ولن يعود، وأسى الغربة في واقعٍ غريب، كان التيه فيه وسط البيانات الضخمة المرهقة أهون بكثير من التيه وسط تفاهات سطح الحياة المنتشرة حولها.

كانت محاولة تفسير هذا الكم من الأرقام أهون من تفسير بعض التصرفات التي خذلتها كثيراً، شغلتها الاحترافية، وكان هذا معروفاً عظيماً قدمته لها؛ إذ ألهتها عن خسائرها الفادحة فيمن غابوا عن الدنيا، وفي قِيمهم التي غابت معهم ولم تعد تجدها حولها كثيراً.

الآن، كل شيء وُضع في نصابه الصحيح، فلم تعد الأمور تأخذ معها أكثر من حجمها كما كانت في الماضي، أنهت عملها وأطفأت الحاسوب، ورتبت أوراقها جيداً قبل أن تغادر، تهبط السلالم وهي راضية عن يومها الذي ذهب في العمل والتفكير.

وبينما كانت تمُرُّ في الطريق لمحت طفلاً صغيراً يلعب بدراجته فرِحاً، فتعلقت به عيناها وخفق قلبها لضحكاته وانفسح وانشرح، وكأن تلك الضحكة هي مكافئة الله لقلبها بعد هذا اليوم الطويل المجهد بأرقامه، ومهماته التي مهما أنهتها فهي لا تنتهي!

المشهد الأخير: بحركات متأوِّهة تدخل إلى سريرها ثم تعتدل على شقها الأيمن، لتغمض عينيها بعد أن انتهى اليوم، تغمض وهي راضية هانئة؛ فهي لا تتذكر شيئاً سوى طيف الأعمدة الزرقاء والحمراء، والأرقام التي تعلوهما.

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.