المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

ستيفاني توماس Headshot

حكم السيسي لمصر لن يستمر رغم فشل الثورة

تم النشر: تم التحديث:

لم يلقََ المصريون من حُكَّامهم إلا سوء الرعاية في أحسن الأحوال، والتعامل الوحشي، في أسوأها. من الحكم العثماني، إلى الاحتلال البريطاني، مروراً بديكتاتورية عبد الناصر، ووصولاً إلى حكم مبارك لثلاثين عاماً.

لذا فالسؤال الذي يجب أن يُطرح الآن ليس «لماذا فشلت الثورة التي اندلعت منذ 5 أعوام؟»، بل «لماذا لم يختلف حُكَّام ما بعد الثورة عن سابقيهم؟»؛ ودعنا هنا نشير بأصابع الاتهام إلى قادةٍ صنعوا مسرحية مؤسفة بفشلهم في تحمُّل أعباء القيادة.

لقد عانى المصريون من سوء إدارة أول رئيس منتخب ديموقراطياً في مصر: محمد مرسي المنتمي لجماعة الإخوان المسلمين. لم يكُن مرسي فاسداً، بل غير كفؤ؛ فغروره ورغبته في الاستحواذ على مقاليد السلطة كلها لم يكونا بدافع تطبيق الإسلام، بل بدافع الرعونة.
ولم يكُن مرسي أيضاً إرهابياً على الإطلاق كما وصمه وأعضاء جماعته الرئيس الحالي عبد الفتاح السيسي.

ولم تكُن الرموز الليبرالية والعلمانية أفضل حالاً؛ فقد خذلوا المصريين بإصرارهم على خدمة مصالحهم الشخصية بدلاً من العمل على تكوين تحالفات وأحزاب قوية.

لقد كانوا يُبشرون بالديموقراطية التعددية، لكنهم كانوا يُطبقونها بطريقة انتقائية؛ فقد اختاروا في عام 2013، على سبيل المثال، دعم عزل مرسي من منصبه بالقوة بدلاً من القيام بذلك بطريقة ديمقراطية.

ولنرى مثلًا ماذا فعل الدكتور محمد البرادعي، الحاصل على جائزة نوبل للسلام، الذي كان سياسياً غير حازم واكتفى على مدار عامين كاملين بالتغريد على موقع تويتر بدلاً من المشاركة بشكل فعال في بناء العملية السياسية.
لقد انضم البرادعي للحكومة الانتقالية التي شكَّلها السيسي قبل أن يستقيل بعدها بشهر واحد احتجاجاً على مذبحة "رابعة العدوية" التي راح ضحيتها 800 شخصًا من الإخوان المسلمين على يد قوات الأمن.

واستمرَّت دائرة الخذلان الذي تعرَّض له المصريون مع جيل الشباب من أبنائهم وبناتهم؛ فقد كانوا بارعين في حشد التظاهرات وتنظيمها عبر الإنترنت -تحت أيَّة راية- دون أن يتمكَّنوا من الحفاظ على أيٍ من المكتسبات التي جنوها.

بعد معركة طويلة مع المجلس العسكري بعد الثورة، أيد الكثير من هؤلاء الشباب عزل مرسي الذي تم برعاية الجيش، بل وصل الحال بقلة منهم إلى التظاهر لـ«تفويض» السيسي حين دعاهم إلى ذلك.

لم تدم حالة الود طويلاً مع السيسي قبل أن يعود الشباب مرة أخرى لحالة عدم الرضا بعد أن زُجَّ بالكثير منهم في السجون ظلماً.

أثناء نقل أحداث ثورة الخامس والعشرين من يناير من ميدان التحرير، ألهمتني الثورة ترك وظيفتي مراسلة تليفزيونية لأستقر في مصر وأشهد على بناء مستقبلٍ يبدو واعداً.

كنت قد عشت سعيدةً في مصر من قبل في التسعينات من القرن الماضي طالبةً تدرس اللغة العربية وتتطلَّع إلى العمل في الجامعة الأميركية في القاهرة، تلك الجامعة التي توهجت في حرمها طاقات الشباب وآمالهم بعد الثورة.

كانت الشعارات الرومانسية التي عمَّت ميدان التحرير أثناء الثورة، مثل «الجيش والشعب إيد واحدة» وغيرها، قد تفكَّكت حين وصلتُ إلى مصر في سبتمبر/أيلول 2011. كان المجلس العسكري الذي خلف مبارك في الحكم يقمع المتظاهرين بعنفٍ تجلَّى في الأحداث التي أطُلق عليها «مذبحة ماسبيرو»، التي دهستَ فيها مدرعات الجيش المتظاهرين الأقباط.

ومع اكتساح الإخوان المسلمين للانتخابات البرلمانية، لم تجد جماعات المعارضة اليسارية والعلمانية العاجزة طريقاً إلا شيطنة الإخوان المسلمين.

التقيتُ في الجامعة بالكثير من الشخصيات السياسية التي كانت تُظهر الثورية في الأوساط الإعلامية والثقافية مباهين بعباءة الثورة التي يتملَّقها الجميع. لجأ أحد الأساتذة الذين أصبحوا سياسيين فيما بعد، بشعره الطويل ومعاطفه الرياضية إلى مظهر عالم السياسة حتَّى وهو يُدرِّس بالجامعة قليلاً، أحياناً من خلال سماعة هاتف أحد الطلبة يُخاطب منها فصله وهو جالسٌ في سيارته.

وتلبَّس أحد السفراء (أصبح عميداً فيما بعد) رداء الحريات المدنية والديمقراطية في البزات الأنيقة، ثمَّ سارع بالانضمام إلى الحكومة العسكرية المؤقتة بعد عزل مرسي.

أمَّا بعض «الرفاق» من نشطاء ميدان التحرير ذوي الشعر اللامع فقد تعاونوا مع الجيش سراً على بناء حاضنة شعبية للحركة المعارضة لمرسي.

وحتى القادة ذوي الطابع الثوري كانوا سبباً في خذلان المصريين. فحين حل وقت مغادرتي البلاد في يونيو/حزيران 2013، كان أغلب من أعرفهم في الجامعة يؤيدون عودة الحكم العسكري بل أيدوا الإجراءات العنيفة السلطوية التي كان لابد أن تستخدم لتحقيق هذا الهدف؛ مما جعل أحد المراقبين يقول وهو واع لما يقول، «ليبراليي مصر غير الليبراليين».

مقارنة النظام المصري الحالي برئاسة السيسي بنظام مبارك تظهر أن الأخير أكثر كرمًا بالمصريين؛ فالقمع مُبررٌ باسم الاستقرار والأمن، والتظاهرات مُجرَّمة تماماً، والجماعات السياسية محظورةٌ أو مُضيَّقٌ عليها، والاستقطاب يُروَّج له عن طريق وسائل إعلام تابعة.

كانت الاضطرابات الإقليمية إحدى العوامل التي ساعدت على وصول السيسي إلى الحكم. فتجارب الدول المجاورة، مثل ليبيا، وسوريا، واليمن ما تزال جاثمة على الصدور، تُذكِّر المصريين بما يمكن أن تؤدي إليه حركات الديمقراطية غير الناضجة. استهدف الصحفيين والناشطين حملة اعتقالات و«اختفاء قسرية»؛ مما جعل النظام يُقر بأنَّ المئات قيد الاعتقال دون محاكمة.

كان اكتشاف جثة طالب الدكتوراه الإيطالي جوليو ريجيني (28 عاماً)، الأسبوع الماضي، في إحدى الطرق السريعة على حدود القاهرة بجسدٍ يضج بآثار التعذيب، أمراً مقلقاً للغاية، فلم تُرصد حالات كتلك ضد الأجانب في مصر من قبل، إذ كانت قوات الأمن المصرية توفر مجهوداتها الوحشية للتعامل مع المواطنين المصريين. وعلى الرغم من جهود السلطات الإيطالية لكشف غموض الحادث، نكاد نجزم أن أسرة ريجيني لن تتمكن من معرفة ما حدث لابنها بالضبط، كغيره من عشرات الآلاف من المصريين الذين تعرَّض أبناؤهم لحالات مماثلة من القتل خارج إطار القانون.

لن يتغيَّر الكثير في مصر في المدى القريب. سيستمر السيسي في إظهار صورةٍ جيدةٍ للخارج دون العناية بالداخل، كما سيعزز من دوره في خط المواجهة مع تنظيم الدولة الإسلامية في سيناء. ومن المرجح أن يسعى جاهداً إلى الحصول على مكانة في أي تحالف إقليمي يدير الأزمة الحالية في ليبيا، وسوريا، واليمن؛ فيحصل على المزيد من الدعم الدولي والمساعدات العسكرية رغم سلطوية نظامه. سيستمر 90 مليون مصري في صراعهم مع ارتفاع أسعار الغذاء، وتفشي البطالة، ومشاكل الانتقالات اليومية، والرعاية الصحية السيئة، والتعليم المتدهور، في ظل حكومات لا تخضع لأية محاسبة.

أين يكمن الجانب المشرق في مصر؟

إنَّه حقيقة أنَّ الثورة قد حدثت، بصرف النظر عن الجدل بشأن نتائجها. لقد أثبت المصريون قدرتهم على عزل الحكام الذي يسيئون إدارة البلاد بغض النظر إن كان هذا الأمر قد تم سابقا بالطريقة الأنسب أم لا، كما أظهروا قدرتهم على تكوين التحالفات والولاءات المؤقتة، الأمر الذي قد يكون سيئاً بالنسبة للديمقراطية لكنه مفيدٌ في التخلص من الحكومات.

سوف تؤدي تجاوزات نظام السيسي إلى ظهور تحالفات غير متوقعة بدافع المصلحة المشتركة. ربَّما يتحالف المتعاطفون مع الإخوان المسلمين مع التيارات العلمانية؛ وقد تجد بعض فئات الجيش جماعة الإخوان حليفاً مفيداً في صراعٍ مع رئيسٍ مُخادع. ستعلو الأصوات المُعارضة في الإعلام، وسيبني النقد على شبكات التواصل الاجتماعي في النهاية قاعدة انطلاق ثورية للاحتجاجات المعارضة. سيرحل نظام السيسي يوماً ما، ربَّما بطريقة غير ديمقراطية.

أتمنَّى أن من يخلف السيسي يخدم المصريين بصورة أفضل مما فعل سابقوه.

هذه المقالة مترجمة عن Reuters. للاطلاع على المقالة الأصلية باللغة الإنجليزية، اضغط هنا.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.