المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

سوسن بوتارتة Headshot

كيف تعبِّر عن حبك لرسول الإسلام في ثلاث ثوانٍ؟

تم النشر: تم التحديث:

هل أنت مسلم؟ هل تحب النبيَّ محمداً صلى الله عليه وسلم؟ هل تقبل أن يهان؟اضغط زر "شارك"؛ ليصل المنشور لأكبر عدد ممكن من الناس.

أنا مسلمة، أحب النبي محمداً صلى الله عليه وسلم، ولا أقبل أن يهان شأني شأن ما يقارب مليارَي مسلم حول العالم، أغضب حين أرى رسوماً مسيئة لديني وعقيدتي، حين أقرأ كتباً تتناول الإسلام بالنقد دون دراسة وتمحيص، وأثور عندما أرى جهلة يفتون في الدين، يحللون، يحرمون، ويكفّرون الناس على هواهم.

منذ فترة قصيرة، نشرت صحيفة "آخر ساعة" المغربية مقالاً لعبد الكريم القمش، كاتب رأي مغربي علماني، ضمن صفحة "إنا عكسنا" التي يعدها الكاتب نفسه، والتي "ينطق عنوانها بمضمونها"، كما يقول هذا الأخير، بعنوان "أنتم لا تعبدون الله... أنتم تعبدون فن السياسة"، يتناول المقال نقداً لبعض الأحاديث المروية عن النبي صلى الله عليه وسلم، والواردة في الصحيحَين والمسند، والتي تتناول جانباً من حياة الرسول صلى الله عليه وسلم، وخصوصاً المتعلق بالفراش، بالإضافة إلى أحاديث تذكر أفضال معاوية بن أبي سفيان والأمويين بشكل عام، حاول الكاتب من خلال مقاله أن يقوم بدراسة علمية لما ورد في هذه الأحاديث، وأن يبين التناقضات التي اعتبرها تسيء للنبي والرسالة عوضَ أن ترفع من قيمتهما.

بعد نشر الصحيفة للمقال، قام بعض "السلفيين" بإنشاء صفحات على الفيسبوك، انتشرت كالفطر، تطالب بمحاكمة الصحيفة والكاتب، وتحل سفك دم الأخير.

الهجمة الشرسة، التي لا يزال يتعرض لها إلى حدود الساعة، اندلعت بسبب مقال بعنوان "خطير... جريدة العماري تطعن علانية في رسول الله" -في إشارة إلى إلياس العماري أمين عام حزب الأصالة والمعاصرة المعارض والغريم الأول لحزب العدالة والتنمية- المقال أظهر ما كتبه القمش كسبّ وقذف لشخص رسول الإسلام، متغاضياً عن ذكر ما جاء حقيقة في المقال؛ لتصبح الحملة التي شنت ضد الصحيفة وكاتبها لتصفية الحسابات، لا لنصرة رسول الله.

كاتب المقال معروف بتشبُّعه بالفكر العلماني ودفاعه عنه، بحيث صدر له مؤخراً كتاب عنوانه "أنا مسلم علماني" لا يعني محاربته للإسلام أو معاداته له -وهذا ما يظهر من خلال عنوان الكتاب، فعبارة أنا مسلم سبقت "علماني"- بل على عكس ذلك إطلاقاً، القمش كرَّس وقته لدرء الشبهات عن الإسلام ورسوله، حيث بدأ مقاله، الذي دفع بعض الأشخاص إلى الدعوة لمسيرة مليونية للمطالبة بمحاكمته، بـ"دعوني أكشف لكم إسلاماً آخر لا تعرفونه، ولم نقرأ عنه في مادة التربية الإسلامية.. إسلاماً ضد إسلام النبوة.. إسلاماً سياسياً.. لفَّق الأحاديث وكَتَبَ تاريخاً آخر لم يكتبه النبي، وحاول أن ينقص من القرآن؛ لكي يقوي من سلطة الحديث القابل للوضع والنشر بـ"العنعنة".. إسلاماً لا نعرف عنه شيئاً على الإطلاق".

من قرأ المقال سيتعجب من كَمّ الاتهامات الموجهة لكاتبه في الإساءة لرسول الإسلام.

أولاً: لأن ما جاء فيه كان دفاعاً عن الرسول من "الإساءة" التي يتعرض لها في بعض الأحاديث وليس العكس.

ثانياً: لأن المقال لم يقُم بنقد الأحاديث التي تناولت الرسول فقط، بل تطرق كذلك لتلك التي مدحت بني أمية، وخاصة معاوية بن أبي سفيان، والتي دوّنت في عهد حكمهم وخلافتهم؛ ليبين التسييس الذي تعرضت له الأحاديث.

وللتوضيح أكثر سأقوم بنشر بعض المقتطفات من مقال القمش:

... "عن عائشة رضي الله عنها، قالت: سحر النبي صلى الله عليه وسلم حتى كان يخيل إليه أنه يفعل الشيء وما يفعله، حتى كان ذات يوم دعا، ودعا ثم قال: أشعرتِ أن الله أفتاني أن ما فيه شفائي؟ أتاني رجلان فقعد أحدهما عند رأسي والآخر عند رجلي، فقال أحدهما للآخر: ما وجع الرجل؟ قال: مطبوب. قال: ومَن طبَّه؟ قال: لبيد بن الأعصم. قال: فيما ذا؟ قال: في مشط ومشاقة، وجف طلعة ذكر. قال: فأين هو؟ قال: في بئر ذروان، فخرج إليها النبي صلى الله عليهم وسلم ثم رجع، فقال لعائشة حين رجع: نخلها كأنه رؤوس الشياطين. فقلتُ استخرجته؟ (أي السحر) فقال: لا، أما أنا فقد شفاني الله، وخشيت أن يثير ذلك على الناس شراً، ثم دُفِنَتْ البِئْرُ"..

لاحظوا معي هنا أنه وعلى الرغم من مناعة الرسول صلى الله عليه وسلم من الشياطين (حسب أحاديث أخرى صحيحة) فهو يتعرض هنا لسحر أوقعه به يهودي ورمي به في بئر..(فكروا في الشعوذة وأنتم تقرأون هذا الحديث الصحيح).

طبعاً لا تكتمل قصص الغرابة عن النبي صلى الله عليه وسلم في علاقته بالنساء وانشغاله الدائم، إبان دعوته للإسلام، بالجميلات ولا نكاد طبعاً نجد وسيلة أفضل للتغاضي عن ذكر أحاديث أخرى مغرقة في "الإساءة"، إلا الختم بحديث دال شامل ورد في "البخاري"، تحت رقم 268 يقول بالحرف:

"حدثنا محمد بن بشار، قال: حدثنا معاذ بن هشام، قال: حدثنا أبي، عن قتادة، قال: حدثنا أنس بن مالك، قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يدور على نسائه في الساعة الواحدة من الليل أو النهار، وهن إحدى عشرة. قال وقلت لأنس : "أوكان يطيقه؟ قال: كنا نتحدث أنه أعطي قوة ثلاثين رجلاً في الجماع. وقيل أربعين".

وعن الأحاديث التي يعتقد الكاتب أنه تم تلفيقها للنبي لصالح بن معاوية كتب:
.... "عن عبد الرحمن بن أبي عميرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لمعاوية: "اللهم اجعله هادياً مهدياً واهدِ به" الترمذي، 3842، وصححه الألباني".

"عن العرباض بن سارية السلمي رضي الله عنه، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "اللهم علّم معاوية الكتاب والحساب، وقه العذاب"، مسند أحمد، 17202".

عن أم حرام الأنصارية رضي الله عنها، أنها سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: "أول جيش من أمتي يغزون البحر قد أوجبوا" (البخاري، 2924)، وكان أول من غزا البحر حسب "ابن حجر" في "فتح الباري"، الجزء السادس، الصفحة 127، وأبي جعفر الطبري في "تاريخ الأمم والملوك" هو "معاوية بن أبي سفيان طبعاً.

ومن المفارقات أن المقال نفسه الذي استفز "السلفيين" من رواد الفيسبوك ودفعهم لقرصنة كاتبه وتهديده عبر الهاتف، تم نشره قبل سنة في جريدة "هيسبريس" الإلكترونية المعروفة، ولم يتم التحدث عنه ولا انتقاده إلا بعد أن تم نشره من طرف جريدة "آخر ساعة"، المحسوبة على حزب الأصالة والمعاصرة، المعادي لحزب العدالة والتنمية الإسلامي، الفائز في الانتخابات الأخيرة، وبالتالي الحاكم، بالإضافة إلى التعتيم الكبير الذي تم التعامل به مع هذه القضية من طرف وسائل الإعلام المغربية بجميع مشاربها، يرجّح كفّة مقاربة تصفية الحسابات بين الأحزاب، كما ذكرنا في السابق.

وأخيراً، كونك إسلاميَّ التوجه والأفكار، لا يعني أنك مسلم وتحب الله ورسوله أكثر من العلماني الذي يدعو إلى فصل الدين عن الدولة، ولا يعطيك الحق بالحكم على مدى إيماني واعتقادي، وبالتالي تكفيري.

أن أنتقد وأناقش كتباً وأقوالاً أعتقد أنها تسيء للرسول، وأحاول أن أنأى بالشبهات عنه لا يعني أني لا أحبه، بل يعني ذلك أني أحبه أكثر.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.