المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

سمية التائب Headshot

قصة نجاح مستقل

تم النشر: تم التحديث:

بذرة أولى

من قال إن الأحلام لا تتحقق؟! تبدأ مشاريعنا بخاطرة نتعثر بها فجأةً في محيطنا المترامي الأطراف، الممتد بين فضاءات الواقع والافتراض، فتأخذ حيزاً من تفكيرنا، لكن ماذا يفعل عقلنا حيالها، إنه يقلّبها، يزنها، يختبر إمكانيتها، يفكر فيها ثم يحبها!

هنا، دخلت (الفكرة) حيز الشعور فصرنا نحلم بها، لقد استوطنت العقل الباطن وأصبحت (حلماً) عندما تكررت كثيراً في عقلنا الواعي الذي صرّح بتبنيها، وصار علينا الآن أن ننتقل إلى عالم التنفيذ (الفعل). هناك شيء ما يدفعنا برغبة قوية لتحقيق حلمنا، إننا نجري محاولاتنا مرة إثر أخرى لنصل بفكرتنا إلى العالم المشاهَد، أعني لتصبح واقعاً (نتيجة)، وطيلة هذه الرحلة ستصادفنا العقبات واحدةً تلو الأخرى؛ لتختبر صدق تمسكنا بالفكرة (البذرة الأولى).

ثم تفشل ونحاول، وتفشل ونأتي بالبدائل وتفشل، ونفكر في الحلول وتفشل كل محاولاتنا.

ماذا نفعل نحن الآن؟ إننا نكتسب الخبرة ونزيد فرصنا، هذه العملية المعقدة المملة تختبر صبرنا دون وعي منا، لكننا نقرر أن نستمر. وفجأة، وفي لحظة سكون من الكون تنجح! هذا بالفعل ما يحدث لما نرغب فيه بشدة.

تجربتي

مطلع عام 2016، كتبت تدوينتي بعنوان (خطوة نحو عام بلا أحلام)، لقد كنت مخطئة تماماً، عندما استبعدت الأحلام وركزت على العمل واختصرت مرحلة كاملة من مراحل النجاح التي تتلخص في:
فكرة + حلم + فعل = نتيجة

وقفزت مباشرةً إلى الخطوة الثالثة، على هذا لقد كانت المرحلة تنفذ نفسها تلقائياً ودون أن أعرف.

وعندما نجح واحد من أهم أحلامي تأكدت من هذه الحقيقة، فقد فعلتها ونفذت مشروعي الأول والثاني... والخامس، والبقية في الطريق. لقد كانت تقييمات مشاريعي 100 في المائة، هذه هي النتيجة التي أحصل عليها كل مرة بسبب إتقاني عملي، ثم أصبحت النجوم الصفراء الخمس تتلألأ إلى جانب اسمي لتدل على أني موظف من الدرجة الأولى وتقول: تعاملوا مع هذا المستقل.

لكن، هل تعرفون من هو "مستقل"؟ إنه أكبر موقع عربي للتوظيف على الإنترنت، يربطك بصاحب المشروع (العميل الذي يطلب تنفيذ مشروع ما)، ويقوم بحفظ حقوقك المالية، ويتحقق من سير وتيرة العمل على ما يرام، ويفض النزاع بين الشركاء في حال اختلفوا لسبب ما.

ويعرض موقع "مستقل" خيارات متنوعة للمجالات التي تناسب أي شخص ليكسب المال من وراء تنفيذها.

بالنسبة لي بدأت رحلتي مع "مستقل" بعرض على التلفاز يتحدث عن قرابة 46 في المائة من أفراد الشعب الأميركي الذين يتمتعون بدخل إضافي نتيجة عملهم على الإنترنت، ذلك اليوم وُلدت فكرتي وحلمت بأن أصنع شيئاً مماثلاً، وتساءلت: (ماذا لو تمكنت من العمل كاتبةً)؟؛ إنها الوظيفة التي أحبها أكثر من أي شيء آخر.

لكنني لا أملك اتصال إنترنت يومها، بعد ذلك الحلم بأعوام حصلت على جهاز اتصال شبكي، لكنني كنت قد نسيت حلمي تماماً، إلى أن تعثرت بأحد منشورات موقع "مستقل" على فيسبوك، من الذي أرسله لي؟ من جعلني أتوقف عند ذلك المنشور؟ هذه هي أسرار الكون التي لم أستطع ترتيبها حتى اليوم، مع أني قرأت عنها مطولاً.

لا يهم.. المهم أنني تعلمت كيف يعمل الموقع ودرست الكثير من المقالات لإنجاح مشروعي (وهو أن أصبح كاتبة مقالات، تقارير، بحوث، عروض إنفوغرافيك). باختصار، أي شيء يحتاج لإعادة السبك ليكون موضوعاً يستحق أن يقرأ.

هل تظنون أن الأمر كان بهذه البساطة! لقد مر أحد عشر شهراً وحسابي لا يسجل أي تقدم، عندما يُعرض مشروع على موقع "مستقل" يتنافس ما لا يقل عن (100 - 200) مستقل للفوز به، من أين يمكن لصاحب المشروع أن يختارك من بينهم؟! هذا ما تتعلمه بالمثابرة، أعني تتعلم كيف تقدم عرضاً يجعل صاحب المشروع ينتبه إليك ويذهب ليلقي نظرة على سيرتك الذاتية ومعرض أعمالك ثم يوافق على أن تنفذ له مشروعه مقابل مبلغ مالي يقدر بالدولار (هذه واحدة من مميزات موقع "مستقل" في التوقيت الذي جُنّ فيه سعر الدولار في بلاد الربيع العربي).

على كل حال، لا أعلم ما جدوى أن أخبركم بأن الهدف المالي كان هو هدفي الثالث للعمل عبر الإنترنت، هدفي الذي يأتي في الترتيب الثاني أصبحتم تعرفونه، ولكن لا بأس من أذكركم، إنه (شغف الكتابة). أما هدفي الأول، فإنني أعتذر بشدةٍ؛ لا يمكنني أخباركم به، هذه هي الخصوصية التي تشبه الرغبة العميقة التي لا يمكن شرحها، سوف يكون لكل شخص يقبل على مشروع جديد خصوصية معينة يحتفظ بها لنفسه!

على كل حال، يجب ألا أطيل، لقد مرت 9 أشهر من العروض الفاشلة، وكنت أقدمها بالتزامن مع العمل على بحث تخرجي لنيل درجة الماستر. وبعد مرور كل هذه الأشهر، انقطعت تماماً عن "مستقل"، وركزت على جانب واحد (بحثي)، استمر انقطاعي مدة شهرين كاملين، وفي يوم ما فتحت حسابي لتصفّح الموقع ودون إشعار مسبق فوجئت بعرض مقدم من جهة تُعنى باقتصاد المملكة السعودية، تريد أن تضع تقارير عن شركات القطاع الخاص السعودي.

المفاجأة كانت في التوقيت، اليوم الذي فكرت فيه في فتح حسابي كان هو نفسه اليوم الذي وصل فيه العرض! (وباتجاه عكسي، لم أتقدم أنا ككل مرة، لقد وصلوا هم إليّ بسبب سيرتي الذاتية التي أتقنت كتابتها قبل أن أترك الموقع إلى أجل).

لقد كانت هذه واحدة أخرى من تصرفات الكون العجيبة التي لم أستطع فهمها، لقد تحدثنا عن شيء مشابه منذ قليل! آسفة أحب أن أثرثر أحياناً.

المهم نجح الأمر معي، والسر برأيي كان في التوفيق، وإتقان العمل، والحظ، والجاهزية، والمثابرة... لقد تحقق الحلم.


وسأقول في بضعة أسطر أخرى، كان لدي وقت فائض بجانب عملي على بحث تخرجي استثمرته في هذا الاتجاه، لقد كان العمل على بحثي مملاً جداً وشاقاً ومجهداً، والمشكل الأكبر أنه انتقل إلى منطقة الشعور المرير فلم أعد أحبه، أصبحت أرغم نفسي لأنجزه، وقصة أسباب ذلك تطول لن أزعجكم بها. فقط، سأسرّ لكم لقد كانت الدراسات العليا فكرة صديقتي لا فكرتي، حسناً لِمَ لا نجرب، لا أذكر من رحلته إلا كلمتين "مثابرة" و"صبر على المشاق" حتى أثمر هو الآخر، وبالطبع لست نادمة مطلقاً عليه؛ لأن جانبه المشرق يكمن في رصيد التجارب، لكن أظنكم تعرفون الفرق بين العمل الذي نحبه والعمل الذي نجبر عليه.


هذا الفرق هو الذي ما زال يدفعني للبقاء على "مستقل" مدة أطول قبل أن أفكر في استثمار شهادة الماستر لصالحي المادي.

قبل أن أودعكم إلى عام جديد مقبل ومليء بالأحلام السعيدة، كنت أود أن أطرح عليكم سؤالاً.. بعد كل الذي أخبرتكم به: هل صرتم تعرفون لماذا اخترت صورة جزر المالديف مرفقة بتدوينتي؟

نعم، لقد كانت إجابتكم موفقة، هيا علقوا صوركم على شاشات هواتفكم وحوائطكم الافتراضية والواقعية.. بكل صدق، إن الأحلام تتحقق، فقط لا تسألوني عن التوقيت.

عام سعيد

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.