المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

سفيان البراق Headshot

هاجس الحب

تم النشر: تم التحديث:

وحدها الأشياء الجميلة تأخذك: صوتُ فيروز، شعرُ أبي نواس، رنين جبران خليل جبران السحري، وصوت وكلام تلك الجميلة التي أحببتها، وبسببها ارتفعت أسهم الصادرات والواردات في بورصة الحب.

شاءتِ الأقدارُ وتحركت رياح الصدفةِ لأجِدهَا على قارِعةِ الطريق، فكانت جالسة على كُرسيّ متحرك، وابتسمت بِرقة؛ لتُوحيّ إليَّ أنَّها تَبتسمُ رغْمَ ألم الإعاقة.

كانتْ جميلة، وجهها بَشوشُُ، وشفتان قُرمزيتان، وشعرُُ أسود ناعم، فهيَّ المِغناطيس الجَذاب الذي يَسْتَهوي قَلْبَ الناظِرِ إليه وعقله وجميع حواسه ومشاعره، هي الوردةُ الناعمة التي تكمن حيةُ الحب السامّةُ بين أوراقِها، من رأى ابتسامَتهَا رأَى الكمال الإنساني كلّه رَغْمَ الإعاقة.

ومن رأى نَظرتهَا رأى اللطف والحنان والعُذوبة وجميع معانيّ الحياة الطيبة.

في كل حركةِِ من حركاتِهَا تتحَرَّكُ شَمْسُُ مُضيئَة تُنيرُ الكون وتُبْعِدُ ظُلمَتَهُ الحالِكة، هي ربَّةُ الجمال رغم أنّها جالسة على كرسيّ متحرِّكْ، لا يتحركُ إلا بِيَدَيهَا الناعِمتَينْ، وعيونُهَا تحملُ في ثنَايَاهَا معَالِمَ الأملِ الذي يَلتَطِمُ بِمَخَالبِ الحياة.

جمالُها الفتاك أسقَطني في فَخِ الحُبِّ وجعلني تائِهاً أرفُضُ الهداية، وبسببها صِرْتُ أترنَحُ داخِلَ متاهَةِِ عميقة، وقد دخلتُ إليها دون سابقِ نذير. هي معاقَةُُ ولكنها هيَّ الخطرُ العظيم الذي يُحيطُ بالمرءِ من كل جانب فلا يعرف له سَبيلاً إلاَّ الخلاص منه.

وبعد أنْ تأملتُ جمالها ورِقَتُّها، جاءت فتاةُُ أخرى أقلُ جمالاً منها ولم أكن أدري ما هذا الحظ العاثر الذي يدخل معي دائماً في صراعِِ طويلِ الأمَدْ.

لم أستطِع نسيانَ ابتسامتَها قط، فبعد مرور ثلاثةِ أيام بالتمامِ والكمال رأيتهَا مُجدداً ولم تكَنْ لديَّ الجرأة لسرقَةِ دقيقةِِ من وقتِها لكي اُناوِلهَا ما لذَّ وطاب من معاني الحب والإعجاب.

ولكن كانت لنفسيتيّ كَلمة أخرى، فاقتربتُ مِنها فألقيتُ عليها تحية الاحترام، لِترُدَّ عليَّ بالمثلْ ولكن كانت لِتحيتِها ألفُ معنى، تبادلنا الكلام ليكونَ خِتامُهُ مسكاً، فقد أعطتني رقمها لتكون فرحتي في ذلك المساء لا تُضاهَى بفرحةِ "بوفون" بعد فوزه بمونديال 2006، وأنا أيضاً قد تُوِّجتُ بلقبِِ يجمع شتاتَ أبهى المعادن الخالصة.

في الصباح أرسلتُ لها رسالة تتضمن بيتاً شعرياً: "صباحُكِ شمسُُ وإشراقات وضحكات لا يمُسهَا شقاء"، كان رَدهَا مُتأخِراً لظروفِِ خاصة، وبعدها قدمتُ لها طبقاً من مَعسُولِ الكلام وعبَّرتُ عما يَجولُ في خاطِريّ ليَكون جوابها الصمت العميق إلى حين أن أرسلت جملة جميلة "مرحباً بك ومرحباً بحُبك"، هنا طأطأتُ رأسي وأصابَ الذُعرُ أصابعي فكان صمتي أقرب إلى الكلام. حينها علمتُ عِلْمَ اليقين أنّ تلك المُعاقة الجميلة ذات الصوت الرنّان تَحْملُ بين ضلوعِهَا بحراً من الإنسانية.

بعد مرورِ شهر أصبح الحب حقيقة إلى أن وقع ما لم يَكُنْ في الحسبان، فذاتَ صباحِِ مُشمِسْ جاءتني رسالة من أختها الكبرى، تخبرني بأنَّ من أحببتْ قد توفيتْ في حادثة سير مريعة رُفقة ابن خالتها؛ لتنهمر دُموعي بغزارة وكفكفتها طيلة اليوم دون أن أتحرَّك من غرفتي المُظلمة موصدةُ الباب، وأنا أتخيل كيف ستُصبِحُ حياتي بعد فراقِها الأبدي، في ذلك اليوم تأكدت أن حياتي كلّها كانت بين يدي تلك الجميلة؛ ليتبخرَ كل شيء.

فما الحب في الدنيا إلا حظوظ وجُدود، عندما تحُب فتاة مُعاقة فاعلم أنك قد أحبَبْتَ البشرية جَمْعاء.

الوداعُ أيّتُها المعاقة الجميلة، وداعاً يا أعز الناسِ عليَّ، إن قلبي لم يُفارقك لحظة واحدة في حياتي وسيبقى مُلازِماً لك بعد مَمَاتِي، وروحي سَتُرَفْرِفُ عليكِ وتَحُومُ حولك في كلّ مكانِِ تَكونينَ فيه فكأننا لَمْ نفتَرِقْ وكأنّ حجاب الموت كان وَهْماً من الأوهام.

لا صوتَ يَعْلو فوقَ صَوتِ المَوتِ والفراق، وجدتُ طَريقَ الحب غَامِضَاً فَزَادَهُ المَوتُ غُمُوضَاً.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.