المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

سفيان البراق Headshot

أحلامٌ مغتصبة

تم النشر: تم التحديث:

في مكانٍ من هذا العالم، كانت هناك فتاةٌ عشرينية جميلة، بالمقارنة مع بناتِ تلك الحقبة، ولكن الفقرَ أخذ بهاءها وحرارةَ شفتيها. كانت تجلسُ بظلِّ الأغصانِ مترنمةً مع العصافير، باكيةً مع الأنهار الجارية، حاسدةً البقرةَ على وفرة المأكل. عندما تغيبُ الشمسُ، تودِّعُ نهاراً مرَّ في لمحِ البصر، ترجعُ إلى ذلك الكوخ وتلتهمُ خبز الشعير مع قليلٍ من الزيتِ، ثم تنامُ مفترشة القشَّ اليابس الذي أكل عليه الدهر وشرب، وتنام وفي مخيلتِها أحلام تتجول، وتتمنى لو كانت الحياةُ كلها أحلاماً ولا وجودَ لليقظة.

مرَّت أعوامٌ وأعوامٌ على "كوثر" المسكينة، الحزينة، الكئيبة، دائماً تنتابُها الأحلامُ والهواجس مثلما تتناوبُ القطعانُ مجاري الماء. رأيتها ذاتَ صباحٍ معفرٍّ بالغيوم، فكانت بيضاء لا تشوبها شائبة، جالسةً وعيونها تسقطُ كلُّ من رآهما، ذاك الصباح أدركت، لا، بلْ قطعتُ الشَّكَ باليقين، أنَّ للجمالِ لغةً سماوية، الجمالُ سِرٌّ تفهمهُ أرواحنا، رأيتها، فكانت مرتديةً ثوباً وردياً من الحريرِ الناعم، عيونها تلمعُ كلمعانِ الذهب الخالص. ثم أخذت يدي بيدٍ تُضارِعُ زنبقةَ الحقلِ بياضاً ونعومة. وكنت أمامها ملاكاً أخرس.

كانت نحيلةَ الجسمِ، صوتُها مُنخفِضٌ حلوٌ تَقطعهُ التنهُّدات فينسكِبُ من بين شفتيها القُرمزيتين اللَّامعتين مثلَ تساقطِ قطراتِ الندى في فصلِ الربيع. وجهها حزينٌ، هادئٌ، جمالها لم يكن مُنطبقاً على جمالِ من هم في مثلِ سنِّها، عنقها عَاجِيٌّ، روحها نبيلةٌ شبيهةٌ بشعلةٍ بيضاء. أقول كلمةً أو كلمتين، فأصمتُ طويلاً خجلاً وحياءً من جمالها، وهي أيضاً كانت خجولة، ومعالمُ الاحمرارِ بادية على وجهها النيِّر البهي، أخذتنا متاهاتُ الحديثِ، ولم نُحس بالوقت الذي يمرُّ بسرعةِ الضوء. أخبرتني أنَّ والدها توفِّيَ وتركها صغيرة، وأمُّها قد وافتها المنيَّة بعد شهورٍ قليلة من وفاةِ أبيها. لم ترهم بأمِّ عينيها، بل تتخيلهم فقط. كم أنا محظوظ لأنَّ أمي ما زالت موجودة، أما كوثر، فإنَّها تعيشُ مع زوجةِ عمها التي تعنفها أشدَّ العنف، سواءٌ كان عنفاً لفظياً أو جسدياً. كيف لهذا الملاكِ الجميل أنْ يعاني في الحياة، أنا ذميمُ الخِلقةِ وأمرٌ طبيعي أنْ أعاني، ولكن هذه الجميلة التي تنيرُ الكون بمحاسنها الفاتِنة، لا يعقل أنْ تعاني، بل يجبُ أنْ تستمتع بلذَّات الحياة.

على تلك العاهرة (الحياة)، أنْ تفعلَ كلَّ شيء من أجلِ إسعادِ هذا الملاك. شيءٌ طبيعي أن نعاني نحن المشوهين خَلقياً، ولكن أولئك الطيبين بجمالهم ونصاعةِ بياضهم يجب أنْ يستمتعوا بالحياةِ وما فيها. كذبَ من قال الدنيا جميلة، لا فكيف تكون جميلة ونحنُ نعاني مع الأمراضِ والآلام والفقرِ المدقع. الدنيا خبيثةٌ وخبثها كخبث المرضِ العضال، لا علاجَ له، سوى أنْ يحتضنكَ التراب، وينهشُ الدود جسدك، هذا هو العلاج.

كوثر المسكينة، رغم أنني لا أعرفها معرفةً مسبقة، إلاَّ أنَّ فؤادها شعر بارتياحٍ عميق تجاهي. ربَّما أحسَّت بمأساتي، مَن يدري! سألتها عن مستواها التعليمي، وبعد صمتٍ مديد، أجابت قائلةً: لم يسبق لي أن درست.

جملتها هذه تقشعرُّ لها الأبدان، أحسستُ بحرقةٍ أسفل صدري، وسألتُ نفسي كيف يمكنُ للحياة أن تقف بالمرصاد أمام هذا القمر المضيء، حتى القليل من شعرها الظاهر على جبهتها كان جميلاً، كم تمنيتُ في تلك اللحظة أن أكونَ أنا صديقها، أنا حبيبها، أنا دفئها من برودةِ وصقيعِ الحياة.

ولكن ليس كل ما أتمناه قد حققت، وقد صدق "المتنبي" حينما قال:

ليس كلُّ ما يتمناهُ المرءُ يدركه ** تجري الرياحُ بما لا تشتهي السفن

أنا أتفق معه، لأنَّ سفني في الحياة ذهبت عكس ما كنتُ أريد، ولكن ما باليد حيلة.

في ذلك اليوم المُشمس أعجبت بها أيَّما إعجاب، وعلى أنُّ عجبي كان شيئاً يسيراً إلى ما أحسست به عندئذٍ من ثورة الوجدان، وكانت الفتاة شابة حسناء، مُدمجة الخُلُقِ، مُرتوية الساقين، فاتنةَ القَسَمات، يزين وجهها عينان سوداوان، لنظرتهما وقع السحرُ في الحواس والقلب والأعصاب، فأسلاك رأسي كلُّها اختلت، وشعري أصبحَ مُشَوكاً جراء جمالِها، ووجهي احمَرَّ احمِرَارَاً، وخانتني رُكبَتاي ولساني، فلم أجد ما أقوله، فكانَ صمتي أقرب إلى الكلام.

انبعثَ في قلبي خَفقان واضطراب، وشعرتُ بنشوةٍ رائعة لا مثيلَ لها، ثم لسعتني حسرةٌ أليمة، حسرةُ محرومٍ طال عهدُه بالحرمان، حيث كانت حياتي في الواقع خالية من الحُبِّ مثل كهف رطبٍ لا تَزُورُهُ الشمس، لأنَّ تفاني في طلبِ العلم لم يدعْ لي وقتَاً لشيءٍ سواه، ولعيبين طبيعيين كبرا في وهمي واشتدَّا على نفسي، حيث كان يترامى إلى أذناي أنَّني "ثقيلُ الدم" وكانَ هذا عيباً حصوراً لا يكاد يبين ما يجولُ في خاطري، فلم يَكُن في وسعي قط أن أُحسِنَ خطاب فتاةٍ، فضلاً عن أنْ أُغَازِلَها، ودعاني هذا وذاك إلى النفورِ والابتعادِ عن الحِسان، وإلى ما يشبه الخوف منهن! وجراء هذا الابتعاد قد شربتُ من كأسِ الخوف والخسارة دون سابقِ إنذار.

انتهى ذلك اليوم الجميل، الذي سيبقى خالداً على مرِّ الزمان، لا يمكنني نسيانها. اختفت فجأةً، جعلتني آتي إلى نفسِ المكان كلُّ يوم، أنتظر بفارغِ لا بل على أحرِّ من الجمر أنْ أرى ذلك النور الساطع مرةً أخرى. تمشي في خيلاء، قدماها ناعمتان كنعومةِ منديل الأعراس، كم تمنيتُ أن أراها مرةً أخرى. ولكنها لم تعد تأتي إلى ذلك المكان، وقلت في نفسي "وداعاً لقمرٍ غادرَ الحياة، وخلَّف وراءهُ الحزن والاحترام، وغيَّرَ مفاهيمَ الحياة وطعمَها لدى الراسخين في أبجديةِ الحياة. وداعاً للنُّورِ السَّاطع الذي تركني أتحدثُ عن إقصاءِ قمرٍ منيرٍ، نورهُ يفتحُ قلبَ النَّاظِرِ إليه. كانت قريبةً من خلعِ ثوبِ العذاب عن جسدي، ولكن الأقدار شاءت وأخذتها إلى مكانٍ بعيد، ذهبت وتركت نقطةً سوداء على قلبي، جاءت بدونِ موعد ورحلت دونَ أنْ تخبرني برحيلها".

بين عشيةٍ وضحاها، قبَّلتُ الشمس، لتنطفئ أشعتها، وأعيشُ وحدي تحت وطأةِ الظلام. رحلت كوثر ورحلت معها السعادة. لا يمكن لنا العيشُ دون أشعة الشمس، وكذلك أنا، غربت عليَّ أشعةُ الشَّمس وخيَّمَ على حياتي الظلام الحالك. إلى كوثر الجميلة، فلتعلمي أنَّني قد كتبتُ هذه الكلمات بدموع أرتعشُ عند تذوقها، وأحسُّ بملوحتها وأظنُّ أنني متواجدٌ في بحرٍ لا قعر له.

كان سيبقى لي أملٌ، أنَّكِ في يومٍ من الأيام ستقرئين ما كتبته لك في مذكراتي، أو بالأحرى في مسوداتي المنسية، ولأنَّك أمية فلن تستطيعي قِراءةَ هذا. كوثر المسكينة كانت تتمنى أن تكونَ لها معلمةٌ جميلة، وقلم ودفتر، ولكنَّها كانت الوحيدة في هذا العالم، لم يُحسن إليها أحد، فجاءت إلى هذا العالم وعانت كثيراً، وذهبت دون أن تُزعجَ أحداً.

لا يمكنك أنْ تموتي وتتركيني في هذا الوجود القَذِر، المتسخ، المملوءِ بالذئاب التي تُكشِّرُ عن أنيابها صباحَ مساء. إنْ كنت لا تزالينَ على قيد الحياة، فبابُ الأملِ مفتوحٌ أن أجدك مرةً أخرى وأستمتعُ بجمالك، أمَّا إنْ أخَذَ صَاحِبُ الأمانةِ أمانتهُ، فلترقدي بسلام، وسأبقى وفياً لك.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.