المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

سندس سعيد عز Headshot

فانتازيا الموت

تم النشر: تم التحديث:

"نعشق الخيال؛ لأنه يأتي كما نحب" من أكثر المقولات صدقاً وتطبيقاً في واقعنا؛ بل ونقع في غرامه عندما تجبرنا الحياة على التملص من واقعنا المرير، والاستعانة بالأحلام لتجبر خواطرنا وترسم الابتسامة على ثغرنا العابس.

ولكن جبروت وقوة وسلطة واقعنا جعلته أكثر تطفلاً على أدق وأصغر تفاصيل حياتنا، لا سيما تلك الأحلام، التي هي الوسيلة الوحيدة لإحياء آمالنا، وها هو بجوارنا وطن استنفدت طاقة أحلامه كاملةً لينتهي واقعه بأسوأ النهايات، والتي لم تحرك فينا أفعالنا وإنما حركت شيئاً من إحساسنا، وقد كان تحريكاً عابراً انتهى بعد لحظات، وفي سبيل تحريك شيء من أفعالكم سأذكر لكم أقسى المشاهد المتمثلة بأسوأ كابوسين.
"إيلان" و"عمران"، سبق أن ضجت وسائل الإعلام المختلفة بهذين الاسمين وغيرهما الكثير، ولكنهما الأبرز، فاستطاعا أن يكسبا الشهرة دون أن يبذلا جهداً يذكر، فالاستلقاء على الشاطئ أو قليل من الغبار المنثور بعشوائية على الرأس ليس بذلك المجهود الكبير.

فإيلان لقي حتفه على شاطئٍ، وكفن برماله، وصعدت روحه لرب السماء ليشكوكم، ولكن لا حياة لمن ينادي.
لا أنكر أن حقوق الإنسان هزت للحظات، ولكنها ولأقصر فترة تتوقعونها تلاشت، وتلاشى إيلان عن قائمتها، وبنفس الدائرة التي دارت فيها أحداث الإنتهاك والقتل لأحلامٍ بريئة وبأكثر الطرق وحشية، جلس عمران على كرسي الحكم، وعلى الرغم من عجزه عن الكلام أو البكاء حتى وفي تلك اللحظات كان يمر أمام مقلتيه طيف لمدينة كانت تسمى يوماً ما "مدينة السلام".

ولكنه مع ذلك كان يرمقكم بأقسى النظرات، ولا أعتقد أنكم ستواجهون مثل تلك النظرات يوماً ما، فهي تظهر كماً من الحقد والكره الذي يحمله قلبه على موت خطف والديه وعائلته ليبقي وحيداً، ولو دققتم قليلاً (رغم أن هذه المأساة ليست بحاجة للتدقيق فوضوحها كوضوح الشمس) لوجدتم أن الشيب قد انهال عليه؛ ليخطف ذلك اللون الذهبي الذي ينساب على شعره، ويضفي عليه لمعانه؛ ليجعله أبيض مشعثاً من كثرة ما واجه من مآسٍ في اللحظات الأخيرة.

وأستطيع بقلمي هذا أن أنسج أجمل القصص بشاعةً من فانتازيا الموت من قصتي إيلان وعمران وخيارين للنهاية؛ فإما موت الواقع (إيلان)، أو موت الأحلام (عمران).

كانا طفلين كجميع الأطفال في عمرهما، يحلمان بالألعاب والقصص المصورة والهواتف الذكية ووظيفة المستقبل، ولكنكم دمرتم أحلامهما بأسوأ واقع، فقد أصبحوا يحلمون بأبسط لوازم الحياة من أمنٍ وطعامٍ وحتى النوم، وغيرها من الأحلام على خط التلاشي أيضاً.
وفي سبيل ذلك أتمنى لو أنكم حددتم عمراً معيناً لخوض صراعاتكم تلك، كما لو أنكم اعتبرتم الحرب كأي شيءٍ خطير تجنبونه أبناءكم فيبقون بأمان وتستمر أحلامهم لتفرض واقعاً خاصاً بها.
.أرجوكم أعيدوا النظر بما تفعلون؛ لعلكم ترون "إيلان" و"عمران" في ذلك