المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

سندس حمدي أبوشليب Headshot

الحب في زمن الكيمياء

تم النشر: تم التحديث:

لا بد أنك قد فكرت مسبقاً فيما كنت لتصبح عليه اليوم لو قبلت بفرصٍ كثيرة قد مضت، لو أنك تمسكت أكثر، أو أفلتّ أبكر، ماذا لو لم تستمع لهم؟ أو ماذا لو أنك استمعت؟! بالطبع كان للطريق مفترق، وقد وقفته ولو لمرة.

أتدري.. لا أذكر متى كانت آخر مرة أحسست فيها بالنضج واتزان القرارات، ثم ثبت لي عكس ذلك من أني ما زلت أنضج، هي من عمرٍ بعيد حقيقةً.. منذ نحو نصف الساعة.

ربما ظلمنا أنفسنا كثيراً بتمسكنا بقراراتنا الهوجاء في سن لا يعوّل عليها أصلاً باتخاذ قرارات، وزاد إيذاؤنا لأنفسنا وزادت محاولات تدميرنا الذاتية لمّا عاندنا في قرارات يافعة، تخيّلنا أننا سنجني أبعد مما جناه الآخرون.

نكفر بكل الأعراف وندحض كل الخبرات إيماناً بمبدأ أننا نقرر ما نعيش، ونعيش ما نقرره، وكان يا ما كان، وانتهت القصة.

في الحقيقة نحن بالفعل نعيش قراراتنا، ولكن عندما تكون قرارات في الأصل، وليست "انفعالات".. عرض الأرض والسماء الفارق بينهما.

كل أشكال البعد والقرب الهوجاء، وطوارئ تغيير مساراتنا المفاجئ وما شابه ذلك، مما يرويه أفضل منِّي تاريخ كل منا في مراهقته وشبابه، والتي قد لا نزال نحياها أياً كان عمرنا، كل تلك انفعالات وليست قرارات، تماماً كما الإلكترون في ذرة هيدروجين.

لطالما ظننتُ أن كل شيء يمكن أن يُفسّر بالكيمياء.. إلا امتحان الكيمياء! لا عليك.. فالذرة تكون غير مستقرة طوال الوقت، تترقب إلكتروناً تكمل به مدارها الأخير لتصل لحالة الاستقرار، فتخمد كيميائياً وتزهد في التفاعلات.

خلال رحلتها تلك لإكمال المدار الأخير هي فقط متلهفة لـ"جديد" الإكمال والاستقرار غير آبهة بنتائجه.

فلو أن ذرة الهيدروجين (H) استعجلت اللقاء وارتبطت مع أول انفعال لها، دون وعي لحقيقة الذرة أمامها، التي ربما أقيّمها أنا أو أنت قياساً على خبراتنا الشخصية، بالصواب أو الخطأ (مع الأخذ بعين الاعتبار أننا أيضاً قد نخطئ في الحكم).

فلو أننا تركنا تلك الذرة (H) غير المستقرة ترتبط في مدارها الأخير بأول عنصر تلتقيه، لربما كان ذلك العنصر هو الكلور (Cl)، ولأصبحا معاً (HCl) حمض الكلور الحارق، الذي سيستثير عليهما وعاء التفاعل ويؤذيهما بدايةً، قبل أن يقرر أن ينسكب على مجتمعاتنا ويُحدث فيها جروحاً لا تندمل.

ولو أن مراقب التفاعل قد انتبه لذراته وعناصره، وأوْلاها اهتمامه، لربما كانت الآن ذرات الهيدروجين متشبعة بذرات الأكسيجين، منتجة الماء (H2O)، سيد التفاعلات كلها وأثمنهم نتيجة على الإطلاق، ولقد تركت بذلك ذرات الهيدروجين عنصر الكلور حراً؛ ليتفاعل هو الآخر في توقيته المناسب بالصوديوم (Na)؛ حيث يتعادل ويصبح ملحاً (NaCl) لا غنى عنه.

أوَتدري لربما رفضت ذلك ذرات الهيدروجين, رفضت أن تدخل معادلة محسومة النتيجة، تنتج ماء اعتدناه جميعاً، وقررت أن تخوض تفاعلاً آخر أكثر أهمية -ربما- بالنسبة لها، وأثمن نتيجة، وقررت أن تأمل صفات عنصرٍ ما، لا أن ترتضي ما تلتقيه مصادفة وترتبك مداراتها لذلك وتتشوش، وتؤثر الاستقرار على الازدهار.

الآن ذرات الهيدروجين في حالة ترقب مثيرة، تعرج على مدارات وتتأمل إلكتروناتها، وتتفكر إن كانت بالفعل تريد تلك النتيجة أم أنها تفضل تفاعلاً آخر يستهلكها لينتج طاقة كامنة، لا حرارة تفاعل مهدرة في وسط التفاعل بلا قيمة تُذكر.

أعلم أنها ذرة متأينة تتفاعل ولا تتخاذل، وأذكر ونحن معاً -أنا والهيدروجين- إن خطر لها عنصر النيتروجين (N) ووعدها أنه سيفعل ويفعل, وحين التنفيذ, وجدت أنها تقدم لذلك التفاعل 3 أضعاف ما يقدمه النيتروجين بحثاً عن الاستقرار، ستستهلك نفسها بشكل يتلفها هي، ويدمر كل جميل كانت ستقدمه وذلك لِمَ؟!

لاستقرار سينتج لنا مركب النشادر (NH3) المعروف بسوء رائحته، حتى وإن كان سينجح في إعداد الكعك واستحسان ذواقيه، في النهاية هي متعة للجميع إلا للهيدروجين، وقد كانت ذرات الهيدروجين ذكية بالقدر الكافي لترفض استقراراً كهذا وتمضي قدماً.

وأذكر أيضاً إن عرج بها عنصر الكربون وقدم لها كل ما يتمناه أي عنصر آخر ووعدها أن يكون لطيفاً، وقد كان كذلك بالفعل، لكنها لم تشعر أن هذا ما تريد أن تكونه مستقبلاً.

بالطبع مركب الجليسرين الذي كانت لتصبحه لو قبلت بالكربون، في غاية اللطف والنعومة، وقد يكون ذلك غاية الجميع من أمثالها.. ولكن فقط ليس هي!

لا مبرر لذلك بالطبع، الكربون لطيف ودود ونقي، ولكنها لم تجد ضالتها فيه، ولا مبررات منطقية لذلك لتقنعك، ولكنها تقنعها هي وبامتياز.

* هل مللت الكيمياء بعد؟!
* حسناً.. أتحب أن أحدثك عن الفيزياء؟
- "لا".
* إذاً دعنا نكمل.

إلى أن أتى ذلك اليوم، والتقت ذرات الهيدروجين بذرات ذلك "العنصر الفريد" وارتأت فيه شيئاً ينقصها، ربما لا يرى فيه العالم جدوى عن مركب (H2O) الماء العظيم الذي حثها باستمرار على تكوينه، لكنها هي تقبل تحديها الخاص "الناضج".. بعد عظيم مشاهداتها لمتوالية التفاعل وعناء براهينها.. بعد أن رأت في نفسها ما يصنع من تلك المعادلة "نتيجة" لا حرارة تفاعل مهدرة عبثاً.

أراها الآن تقف بجوار ذرات الـ"فلور" (F) في سعادة وتناغم لم أعهدهما مسبقاً، مقدمة للعالم ذلك المركب الفريد الجديد على أعينه.. فلوريد الهيدروجين (HF).

أراها تقف بجواره في تكافؤ لا يستهلكها, وإنما يضيف لها وتضيف له، وأرى الفلور بجوارها لم يطلب منها أكثر من ذلك, لم يرد منها غير أن تكون بجواره وكل ما فوق ذلك سيكون من صنعة الحب والسكون، كل ما فوق ذلك سيكون وليداً للتفاعل، لا مؤثراً خارجياً من صاحب التفاعل على سهم المعادلة ليسرع منه، والذي سرعان ما سيفتقده طرفا المعادلة بعد السهم، متسائلين في حيرة لما قبلا بتلك المعادلة من الأساس، وكيف انتهيا إلى هذه النتيجة، ناظرين للطرف الأول من المعادلة قبل سهم التفاعل.. "طرف المتفاعلات" بحسرة!

وهل يمكن أن يرجع سهم التفاعل من النتيجة للمتفاعلات؟
لا أظن ذلك، فسهم المعادلة له رأسٌ واحد واتجاه واحد لا أظنه يرجعه، أو ربما لو رجعه في تلك المرة فإن ذلك سيتطلب جزءاً مدفوعاً من طاقتيهما لإتمام التفاعل المعاكس، ربما الجزء المدفوع هنا يكون عميقاً وثميناً ليس بالأمر اليسير اتخاذ قرار بشأنه!

في آخر مرة التقيت ذرات الفلور والهيدروجين معاً, كنت سعيدة بأن أخبرهما بأن مركبهما (فلوريد الهيدروجين) كان الأكثر قيمة للبشرية الآن لو يعلمون!

قد كانوا معاً حجر الأساس في المركبات الدوائية، وأساس الصناعات البتروكيماوية القائم عليها الازدهار الاقتصادي والصناعي في يومنا هذا.

أو تعلم قد قدموا ما هو أعظم، تلك المبلمرات المسماة "التيفلون", قد جنبتنا كثيراً من حرج التصاق الطعام أو احتراقه، إذا ما دعونا بقية أعضاء الجدول الدوري للعشاء!

أما زلت ترى كيوبيد وسهمه رمزاً للحب؟ ماذا عن ماري كوري وإشعاعاتها؟! هي أكثر شاعرية على الأقل من السهم، ناهيك عن أن الإشعاع أكثر سرعة وعصرية.

ربما H2O مركب ذو قيمة عظمى بالفعل, ذو معادلات مضمونة بلا قلق، وذو نتائج مرغوبة وبشدة.. ولكن هل يعارض هذا محاولتنا الناضجة التي ربما نرى في نتائجها قيمة أعظم من نتائج معادلاتهم الأولى؟ فلقد تجد في نفسك أنك تملك تكافؤاً مختلفاً عن ذرات الهيدروجين المماثلة.. ربما، أو ربما كتبت نفس المعادلة الأولى, ولكن الفرق أنك كتبتها.

في النهاية.. كل مركبات الهيدروجين ذات قيمة بالطبع، ولكن أي هذه المركبات قد خوّل الهيدروجين قيمته الأعظم؟ أيهم كانت مداراته الأكثر رحابة وجاذبية لترتمي إليها ذرات الهيدروجين بعد عناء التفاعلات المضني؟ وكانت الأكثر صلابة إذا ما اتكأت عليها وأسنّدتها بعد كل سقوط، وبكل صلابتها تلك فهي الأكثر طواعية لاحتواء اختلاف تكافؤاتها بعد كل تفاعل.

أيهم مكّن الهيدروجين تفاعلاته العظمى دونما خشية جرح من سهم التفاعل؟ أيهم كان قاعدياً في حامضية الحياة؟ وأيهم كان برداً لما احترّ التفاعل؟ أيهم تختار ذرات الهيدروجين أن تُحرق لتصعد غازاً يذوب في سمائه، أو تموت اختزالاً لشيءٍ من أحزانه؟

ذرات الهيدروجين وحدها من تقرر.

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.