المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

سندس حمدي أبوشليب Headshot

لحن النساء

تم النشر: تم التحديث:

النساء متشابهات حقاً
يرويهن جميعاً راوٍ واحد..
عازفٌ واحد..
هن جلسن على كراسيهن هذه في ذلك الحفل الموسيقي..
يرتدين ما اشتهين من ملابس، تكشف ما شئن له الظهور من أرواحهن، وتستر ما شئن..
يتعطرن بصخب ضحكاتهن، ويرتدين حُليّ البسَمات..
يحملن في حقائبهن قصصاً متشابهة من مزيج الحب والحرب..

وابتدأ الراوي روايته..
دق مفاتيح البيانو في هدوء ليعلن افتتاحية الرواية..

تدق قلوبهن في العذوبة ذاتها، تنساب رقة وسلاماً دون وعي أو إدراك..
هي إن شاءت الآن أوقفت عزفها في تمكّن، قبل أن تأسرها عذوبة العزف وترتحل بها لألحان لا تعرف لها سُلّماً موسيقياً.

أو إن شاءت استطردت الانسياب، ليتخلل دقاتها صوت قيثارة يلاطفها العازف بودود أصابعه، يلاعب أوتاراً كما شاء؛ فتارة يلقيها لحناً ساحراً، وتارة ينزفها جرحاً غائراً..
يرويها مقطوعةً بين شجنٍ وحماس!
فتجتاحها السعادة والحزن معاً، يجتاحها الألم والراحة معاً.. في إدمانٍ وانتشاء!

وتستمر دقات البيانو..
تعلو أصوات مفاتيحه، يسيطر عزفها على المقطوعة..
يبادرها الوتر..
يمازجها حيناً ويعلوها حيناً!
ويتمايل جسدها ما بين مفتاحٍ ووتر!

تراقصها أحلامها في اشتهاء، وتداعبها أيادي الحب،
تعزف لها لحناً شجياً من نغمات "الترومبون"..
تُلهيها عن حقيقة الأوتار!
وتذيبها في جميل معزوفتها..
تجمعها وتنثرها على السطور كل حين..
ثم تغالب دقات البيانو ونغمات الترومبون
ما عزفته الأوتار..
يغار القيثار..
وتشتعل النار!

النساء يأبين من يعزفهن لحناً رغماً عنهن..

تتسارع الطبول، وتستبين موسيقى الحياة مجراها..
يتأصل اللحن في نوتته..
فإما معزوفة لا تُنسى!
وإما مقطوعة ركيكة لها يرثى!

ومن ثم تتوقف الموسيقى
ويتوقف التصفيق
وتقف الحياة موقف قائد الأوركسترا.. تشير لكل المؤثرات بالصمت..
فإما يعلو صوت الحب من دقات مفاتيحنا وارتعاشة أوتارنا، وإما لن يغني بيتهوفن العاشق لإكمال مقطوعته عزفاً زائفاً ضعيفاً مما صاحَب من آلات موسيقية لا تضيف سوى مؤثرات صوتية للمعزوفة الأم!

تتيه أحلام نغمات الترومبون وتتلاشى..
وتغيب دقات البيانو عن الجملة الموسيقية..
ينوح القيثار في شجن، ولو واساه الكمان دهراً لما استطاع أن يحيل نحيبه عزفاً..

كسيرةٌ هي كصوت ناي، نافخهُ ينفث جراحه من خلاله..
يمازج لحنهُ أوتاراً رخوة، تنشز ألماً..

حتى يغيب كلاهما عن النوتة.. ولا يبقى للمعزوفة لحن ولا وقع في القلوب..
تغيب شمس المعزوفة بأيدي العازفين،
وتستحيل
"دو".. من (دُمنا معاً) إلى (دور وانتهى)
وتُعزَف
"ري".. كـ(ريح غربة)، تجري بما لا تشتهي سفننا..
ولا يبقى لـ
"مِي".. إلا أن تكون (ميناء) يحتضننا إن أعجزتنا الريح
"فــا".. ـلانسحاب من مواجهتها -ربما- خير من الانكسار بها

ثم يقف مفتاح "صول" لينهي الجملة الموسيقية..
و"لا" يعلو صوت فوق صوته
آذِناً بـ
"سيـ" ـادة الحب..
وعلوّ عزفه -لو شاء- فوق كل لحن!

تنتهي المعزوفة.. ويعلو التصفيق.

النساء لسن ساذجات..

فلا تظنهن يصفقن لأوجاعهن
أو يرقصن على جراحهن!
ربما صفقن "فرحاً" بتشابه وردية الأقدار والنهايات
أو صفقن "ترحاً" سخريةً منها
ربما كان تصفيقهن عبثاً
أو هنّ صفقن عرفاناً لاستمتاعهن بالرواية..
أنت لا تعلم أبداً ما يدور برأس أنثى!
النساء مجنونات..

النساء مجنونات حقاً!

ربما أدهشهن في البداية القيثار بقوامه وشديد أوتاره، ربما أَسرهن جميل موسيقاه حين ابتدأ..
لكن إن وصلن لنصف المقطوعة ولم تطربهن موسيقاه، ولم تعد ارتعاشاته ذات اهتزازات طربية، لم يعد لقوامه وجميل ألوانه وزناً عندهن!
وربما سارعن في استبدال قيثارتك المغرية بربابةٍ قد تبدو بسيطة.. لكنّ عميق ألحانها يغريها أكثر من أي شيء!

دعنا لا ننسَى أن النساء مجنونات..
وأنا هنا لا أعمم فأنا لا أقول "كلهنّ".. أنا أقصد فقط "جميعهن "!
النساء كلهن مجنونات!
كلٌ مجنون بطريقته وعلى روايته الخاصة!

يدق البيانو مفاتيحه خاطباً في جموع النساء..
يا كل حواء..
تحرّي في قيثارتك عميق ما تريدين.. لا بريق ما يلمع في عيون الآخرين!

لا أريد أن أنسى أننا مجنونات..
قد نحيل حياتنا -بداية- وحيوات من معنا جحيماً أن استدعى الأمر ذلك..
ولا نبالي!
قد نحرق أوراقنا ونحرق معها حدائق ربما كانت ستزهر لو أنبتت مع شخص آخر!

تحرّي في قيثارتك ما يظل يشهّيكِ ويغريكِ إذا انحاشت ظلال الحب..
تحرّي فيه ما ينسيكِ صغير هفواته ويجبرك على تقبُّل اختلافه..
لم نُخلق بلا عيوب.. ولا حياة تُرام في بحرٍ ميت، لا موج فيه ولا حياة!

إذا ما انحاشت ظلال الحب، واستبانت النفس بشمس الأيام،
فإن كل التفاصيل التي تغاضيناها بالأمس -بل وربما عشقناها- تبدأ في البزوغ "شمساً" في قلب السماء!
وتسطع بظنون فطرة حواء!

تنحسر تلك الظلال شيئاً فشيئاً، وتظهر تلك التفاصيل شيئاً آخر..
وحده من كانت حقيقته في الظلال موافقة لحقيقته في السطوع هو من يرحم حواء من نفسها..
هو وحده من لا يرهب انكشافاً للظل.. بل ربما ينتظره!

اختاري -عزيزتي حواء- من يجبرك على احترامه..
وحده الاحترام يُنسينا جنون أفكارنا ولا يطلق دفين تصرفاتنا غير المسيّسة.

- النساء مختلفات؟!
- بالطبع!

نحن مختلفات..
كلنا نقدم تضحيات مختلفة.. كلٌ بما يوافقه..
كلٌ منا له ضرورياته وغاياته فيمن أمامه.. كلٌ بما يوافقه..
كلنا له إيمانه ومعتقداته ومذاهبه الخاصة في الحب.. كلٌ بما يرتضي..
كلنا متفاوت في القدرة على التعامل والتعايش والتقبل؛ بل حتى التنازل.. كلنا نختلف!

أؤكد لك أخرى أننا مختلفات..
ولدينا فروقاتنا الفردية الكبيرة.. نؤمن في أحيانٍ إيمان خديجة بمحمد في زمن الكفر.. ونكفر في أخرى كفر فرعون!

"نعم نحن مختلفات.. ما دامت ظلال الحب ما زلت تُظلّنا".

ما دمنا غير مباشَرين بشمس حقيقة غير التي ظننّا..
ما دامت قلوبنا لم تزل حية نضرة، لم تفسد بتعرضها لشعاع شمسٍ يحيلها -وعلى اختلاف أصولها- إلى نمطٍ واحدٍ من النساء..
كورقة شجر خضراء لا تملك سوى أن تفسد بعد طول تعرضها لشعاع الشمس، وهي -على اختلاف أنواعها- لم تملك سوى أن تسقط كورقة خريف صفراء قاحلة لا حياة فيها!

نعم نحن مختلفات.. لكن
لو انقشعت ظلال الحب في زيف، لبان جلياً ذلك الرابط المشترك بين بنات حواء.. أن كلهنّ نساء!
نختلف ما اختلفنا في صفاتنا (المكتسبة).. لكننا نساء، نحمل تلك الصفات (الجينية) للنساء!

تلك الصفات التي لا تغيب -مهما تفاوتنا- إلا بغياب نون النسوة فينا!
والتي ربما تظل (جيناً متنحياً) طول أعمارنا ما دامت لم تخالط فيكم جيناً آخر يكسبها صفة السؤدد!
صفات لا تقبل سبيلاً آخر في بحث الرجال إلا بارتباطهم بجنسٍ آخر لا يمكن وصفه بـ"نساء"!
تلك الصفات التي لا يمكن لرجلٍ -استفز حضورها- أن يتفاداها، ولو جرّب كل نساء الأرض!

ستظل أسودنا غير المروّضة تُطلَق لحظة انحسار الحب وظلاله واحتراقنا بشمس حقيقةٍ حارقة!

يا عزيزتي حواء..
فلترفقي بذاتك بدايةً.. ولتترفّقي بجنس الأرض، وتحسني اختيارك..
اختاري من لو انحسرت ظلاله بِضعاً، لأطل شمساً في حياتك، من مُتونه أسطع من حواشيه ومقدماته.
من لم يتجمّل زيفاً.. بل كان حقيقياً بالقدر الجميل!
من كان بالعمر أعبق، كأنه المسك..

مرّةً أخرى.. أستجديكِ..
كفاها شقاء أجناس الأرض!
اختاري من (يجبرك احترامه) مهما اختلفت عليكما الأزمنة،
وحده الاحترام يصمد شامخاً أمام أسودنا غير المروَّضة،
وحده من يجبرنا احترامه يقينا من تسرّبات سيئ ما فينا، ويكفينا شمساً تحرق نضِر قلوبنا وأخضرها.

وحده من "يجبرنا" احترامه، "يخيّرنا" في طريقة إسعاده.. ويحيّرنا فيها!
يكفينا شر ما فينا.. ووحده فقط يجنّبنا الاصطدام مع الذات!

اختاري من يُهديكِ احترامه، فيُهدينا احترام ذواتنا عمراً آخر..
الرجال قليلو الحيلة، إذا ما استحضروا عِفريتاً -كما يقال- لم يتمكنوا من صرفه!
فرفقاً حواء.. كفانا وكفاهم شقاء..
ولتُحسني الانتقاء..

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.