المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

سندس حمدي أبوشليب Headshot

ربما لن تعيش بعد هذا.. ربما

تم النشر: تم التحديث:

"أن تقرر أن تعيش".. لربما أخذت قراراً بذلك سابقاً عقب أحداثٍ أليمة أصابتك وقررت الخلاص منها، أو ربما الأمر أكثر زهاء، فكان قرارك هذا للعيش إثر رواية شهية أثارت نهمك للحياة، أو فيلم أبطاله تسربوا لثقب ما في روحك، ربما الأمر كتابٌ ما، أو ربما هو صديق، أو غريب أهداك كلمات ما لا يزال صداها في أذنيك.

لعل أجمل ما في الأمر أننا أخذنا ذلك القرار العظيم "بالعيش"، قررنا من الآن أن نعيش حياتنا ونستمتع بكل ما لم نكن نعيه أو نشعر بوجوده من قبل، ونستفيق قبل أن يفوت ما بقي، أو أن نعيش "أكثر وأعمق" لما نعيشه حالياً، فنستكشف آفاقاً جديدة بعد آفاقنا، أو حتى أن نقرر أن نعيش بذلك الألم الذي لم نتجاوزه بعد، فلربما بطول الصبر نتجاوزه ونميته فينا، أو حتى ندفنه حياً، المثير والمذهل في الأمر أننا أخذنا قراراً بالعيش.

تصفيق.. تهليل.. لعلك في هذه اللحظة بِتَّ تعرف أنك قد بلغت "مربط الفرس"، وانعشت ما أرهقه الزمان بداخلك، وأظنك تعزم الآن هجر كلماتي لكلمات أخرى تنعش بعضاً آخر فيك مما لم تطأه كلماتي، تمهّل حدَث أن جرّبت مسبقاً "إحساس الرغبة في العيش".. أليس كذلك؟

ذلك الشعور القوي، المُلحّ الذي تستخلصه على عتبات كتبك أو أفلامك وعلى أنقاض الذكرى لما مضى من دروس حياتك، هو تلك الاستجابة السريعة للمؤثر.

شعلة الكبريت تلك التي تضيء فيك فجأة..
لا.. لست بصدد الحديث عن جمال هذه الشرارة أو عن عظيم صنيعها وما إلى ذلك من بلاغيات جالت بخاطرك الآن، أنا أقصد تلك الشعلة التي تشتعل بسرعة، وتنطفئ بنفس السرعة! لا تورثك سوى ذكريات اشتعال!

أقصد ذلك النهم والإقبال الطفولي على الحياة بعد وجبة دسمة من الجرعات الإيجابية، التي سرعان ما تُسحق بأضراس احتكاكاتنا بالبشر ثم تعود لتُهضم بإنزيم الحياة والمعيشة، تلك الجرعة التي ما تلبث أن تُنسى وتذهب هباء مع أول باب يُفتح بتيار الحياة، لتُنثر مع الريح، ونعود فنتشتت ونتبعثر، ونحاول من جديد استجماع أرواحنا واستصلاحها بجرعة جديدة من مورفين الحياة بيد كاتبٍ ما أو في نَص مشهد.

تماماً هذا ما أردت قوله.. "جرعة"، لمسكنات إدمانية قد تظن أنها تشعل النار في الرماد.
أتعلم المسكنات ضرورة لا غنى عنها، قرص منها يسكن آلامك فينعشك، ويقيم صلبك لتواجه مِحَنك وتستأنف طريق الوصول، لكن شريطاً منها يقتلك، يميت أحاسيسك، يُحيلُك مدمناً، ولا يعود شريط منها يكفي، فتعود لتزيد الجرعة، وتذوب في سكرها، ولا تكون حياتك إلا مع تلك الحالة من أقراصك الخاصة المخدرة، وتستحيل وظيفتها (لتضميد جراح روحك لمجابهة ما قسا من زمانك) إلى الضد!

تؤكد لك أنك لن تجد هذه الحالة إلا في أقراصك تلك، وتوحي لك نفسك بألا ترهقها بالمحاولة ولتكفيك متعة التعاطي، تأخذك أسيراً وتبدد بصيص الأمل في داخلك في أن تجد ما يشابه من إيجابية خارجها، فضلاً عن أن تحاول أن تخلقها بيديك.

ولو أن رجُلنا قد قرر التعافي واستهلاك الوصفة الطبية بما نص عليه الأطباء لكان خيراً له.
بالطبع حدث أن أقسمت أنك ستفعل وستفعل.. ونسيت، وحدث أن أقسمت أنك لن تعود.. وعدت، كم مرة تألمت، وتداعيت.. وكم مرة عزمت، وتراخيت، ثم استسلمت لفكرة أنك لن تتغير، ولم تعلم أنك بالأساس لم تتغير لأنك فقط استهلكت بنزين الفكرة في الاستعراض بشدة إضاءة مصابيحك وجودة مذياعك عوضاً عن الانطلاق، وأغنتك سعادة حالة الاستحضار تلك لطاقاتك، عن أي إنجاز لها، كفاك تعاطياً، في كل مرة أنت قررت أن تعيش.. لا أن تحيا، قررت أن تكتفي بانتعاشة وجيزة لا عمراً منها، أخذتك تلك النشوة اللحظية وظننت أنك شُفيت من إحباطاتك، وأغنتك هي عن أن تنظر لحالك بتمعن واجبٍ أكثر وتستغلها، فربما تتعافى للأبد!

ربما قضيت يوماً أو يومين في سعادة "الإحساس بالتغيير" كرد فعل لمؤثرك هذا.. (حلاوة روح) كما يقال في مصرنا يعني، وهذه هي اللفتة الإدمانية الأولى لمسكناتك، وربما صرت كالمنتشي الآن، تحدث كل من قابلت بأفكارك العظيمة التي استحدثتها مؤخراً، ورويداً رويداً أذهبت مكنون طاقتك العظيمة لتنفيذ ما قلته تواً.. بالحديث!

وأغنتك نشوة الكلام بأهدافك وطموحاتك، عن أن تحقق أحدها أصلاً، أخذتك تلك اللمعة في أعينهم إعجاباً وأشبعتك، عزفت عن مشقة الطريق للوصول وزهدت، عظيم جنى النهاية برخص وهج مقدمة زائفة!

أُحِطت بتلك الهالة الواهية من العظمة التي لم تصنعها بذاتك، وإنما صنعها بريق أعين المنبهرين بك والمصدّقين فيك ما لم تصْدُقه في نفسك، وتلك طريقة أخرى في التسكين الإدماني للألم عوضاً عن التعامل مع سببه رداً لمزيداً من الآلام.

قرر أن تحيا.. لا أن تعيش، أن (تحيا) عمراً بأكمله، لا أن "تعيش" لحظات، أن "تحيا" ببعد آخر.. 3D، بذلك "الارتفاع" الذي يعطيك "عمقاً" تعيش فيه، لا أن "تعيش" مسطحاً، طولاً في عرض.

كلما أرادَت الحياة أن تأخذ فيك عمقاً، لم تجد سوى ذاك العمق الذي يوفره الترامبولين لمن وطئه بأقدامه، يأخذه بلؤم لداخله، ثم يعود سريعاً فيلفظه بعيداً بنفس الشدة التي أخذه بها، أو ربما أشد، ولست ترى حتى لأقدام الحياة أثراً عليه بعدها.

حالة يغيب فيها الفعل بغياب المؤثر، فلا تأثير على سكونها يرتجى إن لم تتدخل قوة خارجية تشق فيها حالة السكون إلى جلبةٍ خلّاقة، ثم لا تلبث أن تعود إلى سابق سكونها، وكأن شيئاً لم يكن.

يغيب بقلب جسمنا الساكن هذا (المولد الميكانيكي الذاتي)، الذي يبدد حالة الاستقرار العقيمة تلك ويحول طاقتها إلى طاقة فعل حركية وميكانيكية وحرارية هنا وهناك.

تمسك بأفكارك الصغيرة التي تستجمعها من شتاتك وتستخلصها من مشكلاتك وتستدلها بقلبك وجوارحك، دوّنها، تذكرها، جاهد فيها، واصطبر عليها، وصدقني يكفي أن تبقيها في وجدانك وتلقمها خاطرك ما استطعت، وإن قصُرَت جوارحك؛ لتأذن هي بالتحقق.

ستتعبك الحياة مرة واثنتين قبل أن تنالك ثمارها، لا شك في ذلك، ستنسى تارة وتتعب تارة ولا جدل، ستتغير في أحيان وتعود لسابقك في أحيان أخرى، لا بأس عليك، المهم أنك لم تزهد قراراتك بالحياة، ولن تزهدها.

قبولك لما أنت عليه قوة، كاذبٌ من قال إنها ضعف،
القبول شط آخر غير شط الاستسلام، عندما يعجزنا بحر الحياة بشديد أمواجه، نحن من نقرر أن نبحر "بحكمة" رجوعاً إلى شط القبول ونعود أدراجنا بقاربٍ سليم، ربما لم يحِن وقت إبحارك بعد، ربما تحتاج لإضافة بعض من الأخشاب الأخرى لمركبك ليشتد عوده شيئاً بعد.

نحن لا نخطئ إن صنعنا مركباً، قطعاً، نحن فقط نخطئ إن أبحرنا عكس التيار بقارب ضعيف مستهلك، أو حتى قارب جديد، لكن غير مُحكم الصنع.

القارب لا يختبر على اليابسة، اقطع البحيرة، فإن اجتزتها فبارك أخشابك واعبر بحراً، وإن حدث أن ضعف مركبك بين البحار فعُد أدراجك بسلام مبقياً على أخشابك لتعيد طرقها بقوة وإحكام أكثر، وإن اجتزت بحرك فاقطع المحيط، وافتح آفاقاً جديدة في ذاتك.

اقبل ضعفك وأَقبل على ذاتك وقوّمها بالحسنى وباللين، تقبل عيوبك، أنت لست عدواً لنفسك، أحبّ ما فيك واعشق تلك التفاصيل التي لا يحملها إلا أنت.

خفف وطأة السيئ منها بالحسن، وحتى عيوبك الصغيرة تميز بها و"تعامل" معها، أيُعقل أن تكره يدك اليمنى فتقيدها إلى شجرة وتعزم على الذهاب بباقيك لمتابعة طريق نشدك للكمال بعيداً عنها وعن عيوبها؟!

اصبر واصطبر على ألواحك الخشبية الجديدة التي تضيفها إلى قاربك، وثابر عليها وأعِد رصفها، وثبّتها بمسمارٍ واثنين، ثم عد وأضف مسامير ما احتاجت، قوّم ألواحك وابرُدها، وأعد طَرق مسامير أخرى، إلى أن تُحكم تثبيت ذلك اللوح الخشبي الجديد في قاربك فيضحي جزءاً لا يتجزأ من هيكله، وإياك أن تضيف كومة الألواح جميعها مرةً واحدة في انتشاء مغيَّب، ثم تشرع في عشوائية ونهم إلى تثبيتها جميعاً دفعة واحدة، وتشتت قواك وطاقتك على مفردات صغيرة متعددة لا تصلح ولا تصمد أمام شيء، ويصلك زيفاً أن قاربك غدا سفينة، حتى إذا ما ألقيته وتسلمه موج الحياة كسره وفتته وألقاه أخشاباً وهشيماً على شاطئ الاستسلام، فلا أنت عدت لشاطئك الأول وبدأت من جديد، ولا عدت تصدّق في نفسك أنك تصلح لصنع قارب.

قرّر أن تحيا الفكرة لا أن تعيشها فقط، أن (تحيا) هو أن تبلغ كل جميل أردته، وتعيش معه أعوامك الباقية بالغاً به جلّ آمالك.

في كل مرة تدغدغك الحياة.. قرّر إما أن تعيش تلك الحالة، أو تحيا بها للأبد، ولا عجب أن دائرة الحياة العظيمة مفتوحة الخيارات نحلت من اسمها اللفظة (نحيا)، بينما دائرة المعيشة، تلك الدائرة الاختناقية الضيقة لم تَجُد إلا بقليلٍ يماثلها وتعطينا لفظة (نعيش)؛ لتعقب جودها قتراً.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.