المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

سومر منير صالح Headshot

قوس النار الأميركي لمواجهة روسيا في سوريا واشتعال حرب القواعد الروسية الأميركية

تم النشر: تم التحديث:

"زيادةٌ تاريخيةٌ" في ميزانية وزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون) قد تصل نسبتها إلى نحو 10 في المائة، تعهد بها الرئيس الأميركي دونالد ترامب في مقابل تخفيض لمرة واحدة في النفقات على المساعدات الخارجية والاحتياجات الدبلوماسية بنسبة 37 في المائة، تعكس إرادة تبنّي نهج القوة التقليدية في مقابل وسائل القوة الناعمة في إدارة السياسة الخارجية الأميركية للإدارة الجديدة، أتت استجابةً لتحديات تواجه الولايات المتحدة في الحفاظ على الأحادية القطبية، فمنذ منتصف عام 2015 تجري سلسلة من التحولات الجيواستراتيجية في العالم انطلاقاً من الأزمة السورية، تؤثر بمجموعها على شكل النظام الدولي وتسدد ضربة قوية للأحادية القطبية الأميركية، سيما في شرق المتوسط ووسط آسيا، فالمتغيران الأبرز هما الدخول الروسي إلى شرق المتوسط (30 - 9 - 2015) والمتغير الثاني هو استخدام "مؤقت" لقاعدة همدان الاستراتيجية من قِبَل قاذفات سلاح الجو الروسيّ (16 - 8 - 20116)، وهذان المتغيران جريا ضمن تحولين جيوبولتيكيين وهما المناورات الصينية / الروسية في البحر المتوسط منتصف مايو/أيار 2015، والمتحول الثاني هو العودة الروسية إلى أفغانستان من بوابة الحل السياسيّ، وما يعنيه ضمناً تمدد النفوذ الروسيّ إلى إحدى قلاع واشنطن في آسيا، وهو محور ما سيجري في (14 أبريل/نيسان 2017) في موسكو، الأمر الذي يعني إمكانية وصول روسيا بمحورها الأوراسي الناشئ والصين بفضائها الاقتصادي "شنغهاي" إلى البحر المتوسط براً عبر إيران ووسط آسيا؛ لذلك تعمل وزارة الدفاع الأميركية بشكلٍ متصل عبر إدارتَي (أوباما وترامب) على تطويق هذا الوصول إلى المتوسط ومنعه عبر استراتيجيةٍ ثنائيةٍ في المنطقة، انطلاقاً مما يجري في الأزمة السورية.

المستوى الأول هو تطويق الوجود الروسيّ شرق المتوسط بشكلٍ محكمٍ بسلسلة متكاملةٍ من القواعد العسكرية انطلاقاً من تركيا عبر (26) قاعدة ونقطة تجسس وتحكم وسيطرة أميركية أهمها (قاعدة سينوب، قاعدة بيرنكيك، قاعدة أزمير الجوية وانجرليك، قاعدة أنقرة الجوية، وقاعدة يومورتاليك البحرية التي تؤمن 20% من مخزون الأسطول السادس من الوقود ومركز لتأمين الاتصالات الأميركية..)، وصولاً إلى تفعيل بروتوكول أربيل - واشنطن (2016) لبناء خمس قواعد أميركية في كردستان العراق (وما زال الكتمان يلف هذا البروتوكول) وإمكانية جعل هذه القوات رديفاً أو شريكاً للناتو في مرحلة متقدمة، وأهم هذه القواعد، أربيل وأتروش والحرير ودهوك، إضافة إلى بناء قاعدةٍ عسكريةٍ تابعةٍ لهم في قضاء سنجار، مضافاً إليها (4 قواعد ومهابط طائرات) جويةٍ أميركيةٍ في العراق أبرزها (بغداد - الطليل -H1 - باشور) إضافةً إلى استخدام قاعدة التاجي وعين الأسد.. في العراق.

أمّا الحلقة الجديدة في الموضوع فهي بناء قواعد أميركيةٍ في الأردن "غير رسمية" بذريعة ما يعرف بـ"قوات الأسد التأهب" وتعدادها (6000 جندي أميركي)، وتشير مصادر إعلامية إلى تسميتها بـ"قاعدة فيصل"، ناهيك عن الاتفاقية الأمنية "الإسرائيلية" - الأميركية وتحويل "إسرائيل" بموجبها إلى أكبر قاعدة أميركية في المنطقة، ولو أضفنا إلى هذا القوس الأميركي قاعدة اكروتيري في قبرص التابعة للناتو وبريطانيا حينها يكتمل قوس النار الأميركي ويصبح سواراً عسكرياً للوجود الروسيّ شرق المتوسط.

أمّا المستوى الثاني من هذه الاستراتيجية فهو الفصل الجغرافي بين القوى المندفعة عبر إيران وهي روسيا والصين باتجاه المتوسط، من خلال مشروع أقلمة العراق وتنفيذ مناطق "الاستقرار المؤقت" التي تعمل عليها إدارة ترامب على تحقيقها في بادية حماد والتنف والبوكمال السورية، إضافة إلى التواجد الأميركي "العدوان" في المنطقة الشمالية الشرقية من سوريا، هنا يلتقي المشروع الأميركي في أقلمة العراق وربما تقسيمه مع المشروع الأميركي في "فدرلة سورية" لبلوغ عتبة الفصل الجغرافي، ويصبح ممكناً مد أنبوب النفط والغاز (القطري السعودي - الإسرائيلي) عبر هذا الحيز الجديد إلى تركيا والعودة إلى نقطة البدء في الحرب على سورية، ولنجاح هذه الاستراتيجية الأميركية هي بحاجة إلى بيئةٍ إقليميةٍ توفر مناخاً وحاضناً لمشروع الفصل الجغرافي ولو بدا في إطار وحدة الدول الموجودة، وتعمل الولايات المتحدة الأميركية على خلقه من خلال تفعيل ما يسمى التحالف الإسلامي لمحاربة "داعش" بقيادة المملكة السعودية، في محاكاةٍ مشوهةٍ لحلف شمال الأطلسي في أوروبا الذي يجري إعادة هيكلة عقيدته العسكرية لاستيعاب الدور الروسيّ الجديد في العالم ومعاداته، وبعبارة أوضح خلق "ناتو سنيّ" في مواجهة روسيا.

ومن هنا نضع التقارب السعودي مع مصر الذي انعكس غزلاً في قمة البحر الميت، وإعادة ضخ البترول السعودي إلى مصر، في هذا الإطار، ورغم نفي خبر "شطب الديون السعودية على العراق"، فإنّ طرح الموضوع من قِبَل وزير الخارجية العراقي ما هو إلّا إشارةٌ إلى مساعي السعودية لإخراج العراق من حلف (طهران - موسكو - دمشق) باتجاه هذا الحلف الجديد، ولأهمية العراق في هذه الاستراتيجية الأميركية تحاول واشنطن إقناع بغداد بالإشراف على طريق (بغداد - دمشق) حتى تضمن مراقبة الوارد من إيران إلى شرق المتوسط.

هذا الناتو الجديد المحدد التوجه ضد روسيا رأينا إرهاصاته الأولى في تشكيل غرفة عملياتٍ مشتركةٍ لفصائل حلب وإدلب وحماة واللاذقية تدار مباشرةً من وكالة المخابرات الأميركية في غرفة عمليات الموم في تركيا، لاستنزاف روسيا في الداخل السوريّ، بعيداً عن تجاذبات أنقرة - الرياض.

الردّ الروسي جاء بذات التسلسل الأميركي في التصعيد، بدءاً من توسيع قاعدة الإسناد البحرية الروسية في طرطوس، والخطوة الثانية تفعيل قاعدة دوشنبة الروسية في طاجكستان التي تحوي (7500 جندي روسي)، والتي من الممكن تفعيلها على تخوم أفغانستان وفي مجريات أزمتها، والخطوة الثالثة هي دمج قيرغيزستان في الاتحاد الأوراسي بدءاً من عام (2017) والعمل على بناء قاعدةٍ ثانيةٍ قرب العاصمة بشكيك؛ حيث تقع قيرغيزستان في قلب حرب القواعد الأميركية - الروسية؛ حيث توجد قاعدتان روسيتان في كارا - بالطا بالقرب من العاصمة بشكيك، وثالثة في كاراكول في شرق البلاد، كما توجد قاعدة ماناس الجوية الأميركية المهمة في الحرب الأميركية على أفغانستان، وفي حال إغلاقها وهو مسعى روسيّ، فإنّها سوف تؤثر على المجهودات الحربية الأميركية بصورةٍ حادة.

والخطوة الرابعة هي تفعيل نقطة دعم اللوجيستي والتكنولوجي للقوات المسلحة الروسية في فيتنام، الأمر الذي يشتت جهود الإدارة الأميركية في مواجهة روسيا، وعلى المستوى الثاني المتعلق باستراتيجية خلق "ناتو سني" في المنطقة لاستنزاف روسيا بمعارك يجري فيها استخدامٌ مكثفٌ لصواريخ التاو والمالباد تحت إشرافٍ أميركي.

فعلى ما يبدو فإنّ قراراً روسياً - إيرانياً بالمواجهة اُتخذ في قمة بوتين - روحاني في موسكو (29 - 2 - 2017)، انعكس في تصريح وزير الخارجية الإيراني بإمكانية استخدام القوات الجوية الروسية قواعد إيرانية "كلٌّ قاعدة على حدّة" في إطار الحرب على المجموعات الإرهابية أدوات هذا الناتو الجديد، وستجد لها تطبيقاً مباشراً إذا فشل سياق أستانا بجولته الرابعة (3-4/ 5/ 2017) في إنجاز الخرائط الجغرافية لفك ارتباط الفصائل المسلحة بالنصرة الإرهابية، ورغم محاولات روسيا تفويت الفرصة على الولايات المتحدة في استثمار فصائل أستانا ضدها فإنّ الظاهر أنّ مساعيها لن تنجح بفعل الترابط العضويّ بين تلك الفصائل والمخابرات الأميركية.

حرب القواعد المشتعلة بين الولايات المتحدة وروسيا التي وصلت عدواها سريعاً إلى تركيا والصين لتزيد من تعقيد وسخونة المشهد أكثر، ستنعكس سلباً على كامل الساحات الأزموية التي تعمل واشنطن على شطرها إلى مناطق نفوذ، وتقلل من فرص السلام في تلك الدول المأزومة، ويبقى العراق وسلامة أراضيه هو الفيصل في ترجيح هذه الاستراتيجية عن تلك، حيث يعاني العراق من انقسامات عمودية في بنيته، وبدرجةٍ ثانية وحدة وسلامة أراضي الجمهورية العربية السورية التي تسعى واشنطن إلى فرض الفيدرالية فيها كأمر واقع، وهو ما فشل حتى الآن.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.