المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

سومر منير صالح Headshot

سجال أميركي - روسي "خطير" وخارطة طريق روسية تفادياً للتصعيد!

تم النشر: تم التحديث:

بهدوءٍ حذرٍ، بدأت تطفو على سطح التسويات الروسية-الأميركية حول سوريا سجالاتٌ سياسيةٌ ينطبق على توصيف ما ظهر منها اصطلاح رأس جبل الجليد، الذي يخفي أكثر مما يظهر في العلن، فتداول الحديث المتصاعد عن الوجود العسكري الأجنبي غير الشرعي في سوريا بين روسيا والولايات المتحدة ليس من النمط الذي يحتمل بُعداً تفاوضياً من الطرفين، أو بُعداً تساومياً من الطرف الروسي على الأقل.

فالسجال هنا جزءٌ من استراتيجية مواجهة تأخذ طابع سِجالٍ مستمرٍ بين الطرفين، بمعنى استمراريته دون بلوغ انتصارِ طرفٍ أو هزيمة آخر، ما يضفي خطورةً حال استمراره فترةً طويلة، مع التأكيد سلفاً على عدم جواز مساواة الطرفين في هذا السجال؛ فروسيا طرفٌ حليفٌ لسوريا توجد بشكلٍ مشروعٍ وشرعي في سوريا، عكس الولايات المتحدة التي تعتدي على الدولة السورية وتقيم أكثر من 10 قواعد معتدية.

بدأ هذا السجال يظهر إلى العلن مع تصريحات مايك بومبيو، مدير وكالة الاستخبارات الأميركية، حول شرعية الوجود العسكري الروسي في سوريا وأهدافه، والذي استدعى رداً دبلوماسياً روسيّاً بتأكيد شرعية وجود تلك القوات في سوريا، وحاملاً طابعاً تفاوضياً مشروطاً يتضمن عدم معارضة روسيا وجود الولايات المتحدة في سوريا عسكرياً، ولكن بشرط شرعيته التي يأخذها من موافقة الحكومة السورية.

ولعل وزير الخارجية الروسية أراد فتح أبوابٍ مغلقةٍ بين حكومتي دمشق وواشنطن، آملاً إنهاء الحرب على الدولة السورية، مؤكداً (الوزير لافروف) شرعيةً لا لبس فيها للوجود الروسي في سوريا، ليدخل على خط هذا السجال رئيس قيادة العمليات الخاصة في الجيش الأميركي الجنرال ريموند توماس، بقوله: "إن وجود القوات الأميركية في سوريا غير شرعي"، مشيراً إلا أن شرعية الوجود العسكري الروسي بسوريا يخول لها أن تطرد القوات الأميركية "غير الشرعية".

ولكن، مع تصريحات الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، حول الوجود الروسي والإيراني في سوريا، باعتباره نتيجةً لأخطاءٍ ارتكبتها الإدارة الأميركية السابقة بقيادة باراك أوباما، بدأ هذا السجال يأخذ طابعاً ومنحىً أكثر جدية بين الطرفين، وتبدو نوايا واشنطن عدائيةً وتتجه إلى تقويض الوجود الروسي في سوريا، فالكلام عن أخطاءٍ يعني حكماً الحديث والنية لتصحيحها.

وهنا نعود إلى كلام الدبلوماسية الروسية، التي تدرك خطورة هذا السجال بشأن مستقبل الوجود الأجنبي العسكري في سوريا، فكلام لافروف كان أشبه بخارطة طريقٍ روسيةٍ لتلافي الاشتباك الحامي في هذا الملف، أو على الأقل هو محاولةٌ لتحييده بين الطرفين مؤقتاً، فروسيا حددت شروطاً موضوعيةً وبيئةً سياسيةً للنقاش حول هذا الملف، وحددتها بنقطتين: النقطة الأولى هي هزيمة المجموعات الإرهابية في سوريا، والنقطة الثانية هي التوصل إلى اتفاق يلائم المجموعات الإثنية والطائفية كافة في البلاد، على حد توصيف الوزير لافروف (21 يوليو/تموز 2017).

لينتقل بعدها الوزير لافروف إلى تحديد الجهة المخول لها رسمياً شرعنة ذاك الوجود أو عدمه، وهي "دمشق"، التي يمكنها اتخاذ القرار الشرعي حول وجود عسكريين أجانب وقواعد أجنبية، وهذا يعني قطع الطريق على الولايات المتحدة لتثبيت وجودها بداعي التسويات مع روسيا وتكريساً لها، وهي نقطةٌ تسجل للسياسة الروسية في سوريا.

اللافت في هذا السجال، توقيته الذي تزامن مع تسوياتٍ روسيةٍ أميركيةٍ حول سوريان سواء في هامبورغ (7 يوليو/تموز 2017) أو القاهرة (22 يوليو/تموز 2017)؛ لإنجاز مناطق تخفيف التصعيد في سوريا. ونحن هنا أمام احتمالين لما جرى؛ الاحتمال الأول: أن يكون ما طفا على السطح من سجالاتٍ هة جزءٌ من مناقشاتٍ حادةٍ حول هذا الملف جرت على هامش إنجاز التسويتين السابقتين.

والاحتمال الثاني: أن تكون الولايات المتحدة أرادت ابتزاز روسيا وزيادة حدة الاستقطاب الروسي-الأميركي، والتهديد بفشل التسويات لتكسب وجوداً عسكرياً في سوريا بداعي تلك التسويات وكشرطٍ أميركي لتثبيت مناطق تخفيف التصعيد، أو مقايضته بوجودٍ مشابهٍ في أوكرانيا، وفي الأمر ابتزازٌ لن يمر ببساطة من جهة موسكو بكل تأكيد.

أما إن كان الاحتمال الأول هو المرجح في ظهور هذا السجال، ففي الصورة جزءٌ مفقود وغامض، فصحيح أن الوجود الروسي شرق المتوسط أربك الاستراتيجية الهجومية والدفاعية الأميركية وأعاد حساباتها في شرق المتوسط، إلا أنه بطابعٍ دفاعي، وعلى أكثر تقدير هو "وقائي" وهو غير مهددٍ للولايات المتحدة، وحالياً تقوم الولايات المتحدة باحتوائه بهدودٍ، سواءٌ بقوس النار الممتدة من تركيا إلى كردستان العراق إلى الأردن إلى فلسطين المحتلة، أو عن طريق إقامة حزام (شمال جنوب والحزام الجنوبي) تحت اسم التحالف الإسلامي ضد الإرهاب، بالنتيجة يبقى السؤال الإشكالي: لماذا ظهر هذا السجال إذاً؟!

هنا، يمكن إحالة ظهور هذا السجال إلى مناقشاتٍ أميركيةٍ روسيةٍ حادةٍ حول الوجود العسكري الإقليمي في سوريا، وبالتحديد الوجود الإيراني والتركي، والطرفان حليفان إقليميان للقوتين الأميركية والروسية كل على حدة، ولا نجانِب الصواب إذا قلنا إن إمكانية الضغط من كلتا القوتين الدوليتين على حلفيتيهما الإقليميتين محدودة التأثير في هذه القضية، فلا يمكن إغفال أن القوتين الدوليتين بدأتا بسحب ملفات التسوية من الأطراف الإقليمية، وهو ما بدا جلياً بإحالة مناطق تخفيف التصعيد من العهدة الإقليمية بسياق آستانا إلى العهدة الثنائية الأميركية-الروسية والمكرّسة بلقاءات ما بعد هامبورغ.

ويبدو من تصريح مساعد وزير الخارجية الإيراني للشؤون العربية والإفريقية، حسين جابري أنصاري، (15 يوليو/تموز 2017)، حول وجود القوات الإيرانية في سوريا، خلال لقائه المبعوث الخاص للرئيس الروسي فلاديمير بوتين إلى سوريا ألكسندر لافرينتييف، أن هذا الوجود "المحدود والدقيق" جاء بدعوةٍ من الحكومة السورية لمكافحة الإرهاب و"إعادة الاستقرار والهدوء إلى سوريا، وإنهاء الأزمة هناك في أسرعٍ وقت ممكن"، وأن الاتفاقات بين إيران وسوريا، ليست رهناً بموافقة أي طرفٍ من الأطراف الإقليمية أو الدولية.

ومن ثم، فهو ردٌ إيرانيٌ واضح على المحاولة الأميركية لطرح هذا الموضوع على طاولة البحث في التسوية الروسية-الأميركية الجارية، وردّ الكرة إلى ملعب الولايات المتحدة، بيد أن الصورة التركية في الردّ بدت مغايرة عن رد الفعل الإيراني الصارم؛ فتركيا التي تقيم قواعد عسكرية غير شرعية ومعتدية على السيادة السورية في منطقة الباب السورية، وتحديداً في جبل الشيخ عقيل- عدلت مؤقتاً عن فكرة غزو إدلب وإمكانية إقامة قواعد معتدية في جبال باب سقا وجبل الأحلام أو شيخ بركات بريف حلب؛ للإشراف على معبر باب الهوى والتطلع إلى فتح كريدور بري بين دارة عزة ومناطق سيطرة ما يعرف بدرع الفرات مروراً بتل رفعت.

والسلوك التركي هنا حمّال أوجهٍ؛ فالوجه الأول هو تخوفٌ تركي من نتائج هذا السجال الذي سينتهي بخروج كل القوات "غير الشرعية" من سوريا. أما الوجه الآخر، فهو خبيثٌ؛ فزج تركيا نفسها في هذا السجال قد ينتهي بتوافقٍ أميركي-روسي يُخرج كل الأطراف الإقليمية من الساحة؛ ومن ثم تكون التسوية على حساب مصالحها، فقررت تأجيل البتّ في هذه المسألة إلى ما بعد لقاء آستانا المقبل نهاية أغسطس/آب؛ أملاً في مراعاة مصالحها من الطرف الروسي ضمن مناطق تخفيف التصعيد المتبقية.

الثابت أن الحديث قد بدأ حول الوجود "غير الشرعي" للقوات الأجنبية المعتدية على سوريا، ولكن المتغير هو نتيجته، التي تتبع نتيجة التسويات الحاصلة بين روسيا والولايات المتحدة من جهة، وبين تركيا وروسيا في سياق آستانا من جهة أخرى.

ومن المرجح أن زيادة حدة السجال قد تؤثر سلباً على مستقبل أي تفاهماتٍ ما لم تقتنع الولايات المتحدة وتركيا بخارطة الطريق الروسية. وبغض النظر عن الثابت والمتحول في هذا الجدل والسجال، فالأكيد أنه يعكس رفضاً سوريّاً قاطعاً لمحاولة شرعنة إقامة قواعد أجنبيةٍ معتديةٍ على الأرض السورية بداعي محاربة الإرهاب، ليتحول معه شعار محاربة الإرهاب إلى غطاءٍ سياسي لتفكيك سوريا وتحويل مناطق تخفيف التصعيد إلى مناطق نفوذ للقوى المعتدية على سوريا.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.