المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

سهى ابراهيم  Headshot

فرانكشتاين في مصر

تم النشر: تم التحديث:

(1)
يأتي قرار السفر بعد أن يبدأ أمل التغيير في التسرب رويداً رويداً تغلف الخطوة أمام الآخرين بالبحث عن فرصة، بينما سيكون الهدف الرئيسي الواضح تماماً في ذهنك هو الفرار. وفي الأغلب سيكون الهروب من احتراق دم يومي تواجهه فقط لأن قدرك فرض عليك أن تولد في هذه البقعة التي يبدو أن آخر عباقرتها من الأجداد تركوا بها لعنة ما تطارد كل من مر بها يوماً.

المشكلة التي ستستتبع ذلك، أنك في الأغلب ستبدأ رحلة حرق دم أخرى بشكل اختياري، فستخرج من مرحلة متابعة كل ما تشعر أنه يمسك أو يمس عائلتك وأصدقائك إلى مرحلة التنقيب عن كل ما يكتب فيها وعنها بأي لغة تعرفها وتتعامل مع المهتمين بتطورات الوضع بها كفرصة ذهبية لمشاطرة الهم والتحليل والعراك في كثير من الأحيان حتى تجد نفسك وأنت لا تترك فرصة لتحكي عنها مع من الذين بعدوا جسديا آلاف الأميال لكن أذهانهم وقلوبهم مازالوا فيها ومعها.

2))

لم تفلح نصيحة الطبيب النفسي لصديقتي، التي أصيبت بدرجة من الاكتئاب المرضيّ وهي في الجانب الآخر من الكرة الأرضية، بالابتعاد عن نشرات الأخبار وتجنب كل ما يتعلق بالسياسة والتركيز على سبيل المثال على متابعة المسابقات الغنائية أو الأعمال الأدبية.

وحاولت أنا أيضاً الالتزام بنصيحة الطبيب دعماً لصديقتي وحفاظاً على صحتي النفسية، لكن المفارقة أن بلدينا أخذتا في القفز في أذهاننا مع كل عمل أدبي نحرص على اختياره أقرب للغرائبية والفانتازيا منه إلى الواقع حتى تحولت أحاديثنا إلى مقارنة أحوال أوطاننا بشطحات أكثر المؤلفين خيالاً.

3) )

بالصدفة خلال أحاديثنا، اكتشفنا أن اختيارنا وقع دون ترتيب مسبق على رواية "فرانكشتاين في بغداد" للروائي العراقي أحمد سعداوي، الحائزة على الجائزة العالمية للرواية العربية "البوكر" لعام 2014، والتي تحكي قصة بائع (خردة) يقوم بجمع بقايا بشرية من جثث ضحايا العنف والتفجيرات في أنحاء العراق، ثم يقوم بلصق الأجزاء لينتج كائناً غريباً سرعان ما ينهض ليقوم بالثأر من الذين قتلوا أجزاءه دون أن يحاسبوا، ويحظى الصحفي الطموح في الرواية محمود السوداوي بمقابلة حصرية مع فرانكشتاين لتتشكل له صورة عامة عن مدينة أضحت تعيش تحت وطأة المجهول وضياع هوية المجرم الحقيقي الذي أصبح يستهدف الجميع بلا تمييز فهو يقتل من أجل أن يستمر وهذا هو مبرره الأخلاقي الوحيد.

وحتى شخصية اليشوا العجوز المسيحية التي تفقد ابنها دانيال في الحرب العراقية الإيرانية (1980 ـ 1988) والتي ترفض مغادرة بيتها القديم مع كل من يغادرون من حولها تمسكاً بذكرياتها وانتظاراً لابنها الذي تعتبره غائباً وبرغم الرعب المحيط بها في كل مكان من ناحية والطامعين الذين يحاولون معها بكل الطرق لشراء منزلها تارة بالإغراء وأخرى بالتهديد تبيعه وتغادر في النهاية.

(4)
ورغم سيطرة الكوميديا السوداء أو ما يسمى الغروتيسك (خلط القبح والغرابة والكوميديا معاً)، فقد اتفقنا أن الرواية تستحق القراءة ورغم أنه مر سنوات على نشرها فقد كانت من أغلى الروايات لأنها تسببت في ذهاب نصيحة طبيب صديقتي وأجر زيارته أدراج الرياح.

فالخيال الروائي قد يكون أحياناً ضاراً بالصحة إذا تناول غياب القصاص وانتقائية العدالة وغياب دولة القانون ويبدو أن فرانكشتاين الذي يغير وجهه كل حين ولا شيء يدوم فيه سوى الرغبة في الاستمرار قد أحب كثيراً التجول في بلادنا.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.