المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

سهى جاد Headshot

ماذا تعلَّم رائد الفضاء سكوت كيلي من مواجهة الموت والمجهول عاماً كاملاً؟

تم النشر: تم التحديث:

2017-03-22-1490166466-405884-scottkellyflowers.jpg

"عام في الفضاء علَّمني أن أستمتع بكل ما على كوكبنا" هذا ما كتبه سكوت كيلي على الصورة أعلاه التي شاركها على الإنستغرام.

بدأت الحكاية في 27 مارس/آذار 2015 وفي إطار دراسات عن إمكانية العيش في كوكب المريخ أقلعت مركبة فضائية على متنها رائد الفضاء الأميركي سكوت كيلي ورائد الفضاء الروسي ميشا كوننيكوا حيث أمضيا 340 يوماً في الدوران حول كوكب الأرض وأجريا ما يزيد عن أربعمائة تجربة ما زال العلماء والباحثون عاكفين على تحليل وفهم نتائجها.

على رأس النتائج العلمية للرحلة حقيقة أن للبيئة أثراً كبيراً على الشيخوخة وربما تحقق الحياة في الفضاء حلم الشباب الدائم، فهشاشة العظام وضعف العضلات وخفوت البصر كانت أقل حدة عند كيلي مقارنة بتوأمه المتماثل الذي لم يرافقه في الرحلة!

بعيداً عن التجارب العلمية ونتائجها هناك التجربة الإنسانية الفريدة التي خاضها معاً كيلي وميشا وتحدث عنها كيلي لجريدة التايم تحدث عنها كيلي لجريدة التايم منذ عدة أيام في ذكرى مرور عام على عودته إلى كوكب الأرض.

يقول كيلي إنه لا شيء يضاهي نعمة "الماء"، فما إن دخل منزله حتى أسرع إلى المسبح وألقى بنفسه فيه بكامل ثيابه الفضائية، والغريب أن رفيقه الروسي يتفق معه تماماً في التقدير الكبير للماء.

"تعلمت أن بإمكاني السيطرة على انفعالاتي، كنت أعرف ذلك منذ طفولتي وتأكدت عملياً في تلك الرحلة".

"تعلمت أنك لو لم تُبكر عن موعدك خمس دقائق فقد تأخرت بالفعل، والنجاح من نصيب من يأتي أولاً".

"تعلمت التمييز بين ما يمكنني تغييره وما لا أملك تغييره، والتحكم في مشاعري وفق ذلك".

"أثناء الرحلة شاهدت أسرة تتناول الطعام في أحد الأفلام فانتابني شوق عارم لصحبة أسرتي، وأدركت لأول مرة أن بقاء الطعام على المائدة ثابتاً أمر مذهل، وأن الجاذبية الأرضية التي تبقيه على المائدة وتحفظنا جالسين على مقاعدنا نعمة كبيرة!
بعد عودتي من الفضاء بيومين جاءتني مائدة طعام هدية من صديق تحلقت مع أسرتي حولها، وشعرت بنعمة أن أراهم حولي دون أن يدور رأسي في جميع الاتجاهات لتتابعهم".

"أدركت أن النجاح الذي ينسب لشخص قد يكون وراءه مجهود مئات وربما آلاف الأشخاص، وأنه شرف كبير أن تكون أنت الواجهة لكل هذا الجهد البشري".

"أدركت أن للحشائش رائحة رائعة، وأن هبوب النسيم مدهش، وأن الأمطار معجزة، سأذكر نفسي دائماً بكل هذا الجمال وتلك النعم".

"انتبهت أن ابنتيّ مميزتان جداً، وكلا منهما مختلفة عن أختها، أدركت أني خسرت معايشة جزء من حياة كل منهما لن أعوضه أبداً".

"تعلمت أن مشاهدة الأخبار من بعيد توحي بأن الأرض مسرح للفوضى والدمار، وأن التغيرات المناخية السلبية تحزن القلب، لكن الأرض من أجمل كواكب المجرة وأننا سعداء الحظ بالعيش فيها".

"تعلمت الرحمة بالآخرين، بمن في ذلك من لا أعرفهم ومن لا أحبهم ومن أختلف معهم، بدأت أعبر للآخرين عن تقديري لهم، يدهشهم ذلك ويربكهم للوهلة الأولى؛ لأنه غير معتاد، لكني سعيد بفعله وسأداوم عليه".

"تعلمت أن عاماً بعيداً عمن تحبهم يعقد علاقتك بهم ويشحذها في نفس الوقت..".


مست قلبي صحوة كيلي الروحية التي زلزلت كيانه وجعلت منه شخصاً آخر، لا أعرف هل رأى الله في تجربته المدهشة؟ أم أنه لا يؤمن به؟! لكني رأيت الله في كل ما قال وتذكرت آيات كثيرة.

حساب كيلي على الإنستغرام الذي حفل أثناء وقبل الرحلة بصور "فضائية" مبهرة لا يتاح للإنسان العادي التقاطها أصبح ذاخراً بصور "أرضية" نراها جميعاً كل يوم ولا نتوقف أمامها لحظة ولا تبهرنا ولا نرى المعجزة فيها.

عاد كيلي من الرحلة بعينين على الفطرة "تريان" الجمال في زهرة رقيقة والنعمة في وجبة طهتها زوجته، ولخص تجربته في عبارة واحدة "مواجهة الموت المحتمل في أي لحظة أعادت شعوري بالحياة".

لا شك أن ما مر به سكوت تجربة مثيرة ونادرة؛ لكن.. هل منا مَن هو آمِن من الموت؟ ألا نواجه احتمال الموت فعلاً في أي لحظة؟! هل يحتاج الأمر لصاروخ يحملنا خارج حدود الأرض "لنفيق"؟! ألسنا في نفس الموقف لولا الغفلة وطول الأمل؟!

نمر على نعم الله فلا ندركها؛ لأننا نحيا بلا وعي، "Auto Pilot Mood" لا نقف لنتأمل أي شيء لا ننتبه أننا جميعاً وبلا استثناء نرفل في نعم لا عد لها ولا حصر.

توقفت طويلاً أمام تغير مشاعره نحو "الآخر" هل تتخيل أن تحيا مع "عدوك" عاماً كاملاً؟ وحدكما! تواجهان نفس الظروف وتعيشان نفس المخاطر وليس هناك من هو أقرب لأي منكما سوى الآخر؟!

كيف تغير قلبه؟ كيف تغير تفكيره؟ وعندما انتهت المهمة وعاد كل منهما إلى "فريقه" أي فكرة عن الآخر ستسكنه؟!

تجربة كيلي تطرح علينا أسئلة هامة: متى ينقشع الغمام عن قلوبنا قبل عيوننا فنتحرر من المشتتات اليومية وصراعات الحياة المصطنعة التي لا تنتهي؟

كيف ننجو بأنفسنا من حروب التنميط التي تصيغ أفكارنا لمصالح خاصة؟

هل نفطن لحروب التسويق التي تشن علينا لتقنعنا بشراء ما لا نحتاجه؟ مدعية بأن ذلك ما يجعل لنا "قيمة"!

هل نتحرر من نمط حياة يستنزف منا الحياة ذاتها؟! ونتوقف عن التسابق والاستزادة من البؤس بلا وعي!

تجربة كيلي تذكرة أن الحياة أبسط كثيراً مما نظن وأن السعادة يجدها من تفطن روحه إلى نعم الله التي لا تعد ولا تُحصى فتعيها وتستمتع بها وتؤدي حقها، ولا يؤتى ذلك إلا الحكماء، فسبحان الله العظيم "يُؤْتِي الحِكْمَةَ مَن يَشَاءُ وَمَن يُؤْتَ الحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً وَمَا يَذَّكَّرُ إلاَّ أُوْلُوا الأَلْبَاب" (البقرة: 269).

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.