المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

سهى جاد Headshot

من الحضانة إلى بيت الزوجية إلى أزمة اللاجئين.. ما أثر المنافسة؟

تم النشر: تم التحديث:

2016-10-17-1476725361-8117660-quotecompetitionisthelawofthejunglebutcooperationisthelawofcivilizationpeterkropotkin1023038.jpg

منذ عشر سنوات تقريباً عاد ابني الأكبر من المدرسة حزيناً؛ لعدم فوزه بالمركز الأول في الامتحانات الشهرية، بحنقٍ شديد قال: "فلان أخد الجايزة عشان خطه أحسن من خطي، لازم أحسّن خطي وأبقى أحسن منه".

أدهشتني كلماته فلم أقُل له أبداً أن عليه أن "يهزم" الآخرين ليكون ناجحاً، تحدثت إليه يومها حديثاً ربما كان أكبر من استيعابه، قلت له: إن تحسين الخط أمر جيد علينا أن نجتهد فيه لا ليكون أحسن من فلان أو علان، بل ليكون خطه جميلاً، لقد استذكرت دروسك واجتهدت وهذا هو المهم، كن فخوراً وسعيداً بذلك، النجاح هو تأدية ما علينا من واجبات على أكمل وجه.

أردد هذا المفهوم على أبنائي كلما جاءت فرصة لأذكرهم به، وأتمنى أن يعتنقوا هذا التعريف للنجاح في كل مناحي الحياة.

خرجت تلك الكلمات من قلبي المؤمن جداً باللاتنافسية، فهذا ما أنتهجه في حياتي العملية والشخصية وسمعه مني كل مَن عمل معي في أي مكان شغلت فيه منصباً إدارياً، لا يستلزم النجاح في رأي دق طبول الانتصار على أحد أو سحق المنافسين، ولا أهتم كثيراً بالمظاهر البراقة الصاخبة التي غالباً ما تختبئ في ثناياها التعاسة ويملأ تفاصيلها التوتر والقلق.

الميول التنافسية تؤثر على تصرفات الإنسان في كل أدواره حتى مع شريك حياته، يقول أنيس منصور في إحدى مقالاته: "قبل الزواج يتفق العروسان على أن يكونا شيئاً واحداً ويمضيان العمر كله يتشاجران على أي واحدٍ منهما".

عندما تسود روح التعاون بين الزوجين لا يكون السؤال المطروح مَن الأفضل؟ أو الأقوى، أو الأكثر تضحية أو صاحب القرار.

يصبح السؤال الرئيسي: كيف تنجح هذه الأسرة؟ كيف تكون أفضل؟ كيف تسودها الرحمة والعطاء؟ يبذل كل منهما أقصى جهد لتحقيق هذه الأهداف، وينظر بعين العرفان لجهد شريكه؛ لأن النجاح هو تحقق تلك الأهداف المشتركة.

البون شاسع بين من يرى الأمور بعين المحبة والتقدير وبين من يراها بعين المقارنة والتنافس.

فرق كبير بين أن يعمل الزوجان معاً لتحقيق هدف مشترك وأن يتنازعا لتحقيق أهداف متعارضة!

مَن يضع نصب عينيه أن النجاح هو أن يكون الأول أو الأوحد أو الفائز، يُصنِف من حوله -وإن لم يعِ ذلك- إلى فريق المساعدين والتابعين المنوط بهم تلبية مطالبه، ومساعدته وتشجيعه وفريق منافسين عليه هزيمتهم، ومن لم يكن في هذا الفريق فهو في الآخر.

هناك مَن يدمن المنافسة ويخلقها إن لم يجدها، لا ينتبه إلى أن "الانتصار" يسلبه الهدوء، ويحرمه المحبة الحقيقية التي لا تقوم على الانبهار بنجاح أو الخضوع لسطوة، فتفشل زيجات وتخرب صداقات وتنقطع صلات رحم، يغص قلبه بمشاعر التعاسة برغم مظاهر "النجاح"، ويصارع الوحدة برغم زحام يحيط به، ولا يفكر أبداً أن لسلوكه التنافسي أثراً في ذلك.

بطبيعتي أمقت التنافس، لكن الأمر أكبر من مجرد هوى شخصي، فبالتجربة العملية رأيت التعاون يحقق نتائج أفضل ويخلق علاقات أقوى وأنقى.

ويتفق ما رأيته بنفسي مع رأي العلم؛ حيث يقول الدكتور بيري بافنجتون، أستاذ علم النفس بجامعة جورجيا في بحثه المنافسة أم التعاون؟

"المنافسة تُخرِج الوحش من داخلنا، لا أحد يدرك حجم الخسائر المستمرة الناجمة عن المنافسة والمتمثلة في تدهور صحة العاملين وإهدار إنتاجيتهم وتحجيم إنجازاتهم جراء ما يُهدرون من طاقة في التنافس.

الدراسات والأبحاث النفسية على الأفراد في جميع المجالات بلا استثناء، منذ القرن الثامن عشر وحتى يومنا هذا، تثبت أن التعاون أفضل من التنافس، ومع ذلك فالأجيال المتتابعة كانت ولا تزال تنشأ وتحيا على التنافس.

نظام التعليم هو المسؤول الأول عن ذلك؛ حيث يقف التعليم وعلم النفس على طرفَي النقيض في هذه القضية".

لا يقتصر ضرر التنافس على العلاقات الشخصية أو علاقات العمل فحسب، بل يمتد إلى المستوى الدولي.

شاهدت حواراً مع رائد علم الاجتماع والمفكر البولندي المعاصر زيجمونت بومان سُئل فيه: لماذا يخشى الأوربيون من تدفق اللاجئين إلى بلادهم؟ لماذا هذا الرفض الكبير؟

أجاب بومان: "هؤلاء اللاجئون تجسيد حي لمخاوف كنا نسيناها، وظننا أننا آمنون منها. اللاجئون ليسوا فقراء أو مشردين يحتاجون للمساعدة، فتلك الفئات تحظى بتعاطف ومساندة كبيرة في الغرب. اللاجئون أشخاص عاديون، حاصلون على درجات علمية، كانوا بالأمس أصحاب مهن مرموقة، كانوا يملكون المسكن والثروة والسيارة ويعيشون حياة عادية جداً تشبه حياتنا، كانوا أنا وأنت. فجأة فقدوا كل شيء، رؤية هؤلاء تفزع الأوروبي، تشعره بعدم الأمان برغم ما وصل إليه. هناك عامل نفسي كبير، تلك كراهية تخبئ الخوف بداخلها. علينا أن ننمي التراحم والحوار فلا مخرج من تلك الأزمة إلا بالتعاون".

تلك المجتمعات مؤسسة على التنافس، والمنافسة جوهرها أن يحصل الفائز على كل ما يمكنه الحصول عليه، ولا يكترث بما يحصل عليه الآخرون، وإن لم يكن كافياً.

وفي مقال نشر منذ عدة أيام بمجلة "الحدث" الإيطالية قال بومان: "لا نجاة من الأوضاع الكارثية المسيطرة على العالم اليوم إلا بالتحول من التنافس إلى التعاون. المنافسة تقوم على الأنانية، تدفع كل شخص إلى العيش بمبدأ "يجب أن تسير الأمور وفق ما أريده"، بينما التعاون قوامه المشاركة وتضافر الجهود ليصبح الجميع أفضل حالاً وأكثر سعادة. إن ما يحدث في العالم يؤثر سلباً على الحريات، هوامش الحرية آخذة في التضاؤل والتقلص، حق المشاركة في القرارات حُرِم منه الكثيرون. الشباب بصفة خاصة يعانون من إحباط غير مسبوق.

بعد التخرج وبرغم كل السنوات التي ينفقونها في التعلم واكتساب المهارات المختلفة يواجهون سوق عمل تنافسية يصعب فيها الحصول على وظيفة، وينتهي الأمر بالشاب منهم في عمل لا يحبه ولا علاقة له بما درسه، مما يؤثر سلباً على سعادته".

أجاب بومان في المقال عن سؤالي الحائر: لماذا التبني الواسع لمفهوم المنافسة؟ بقوله: "المنافسة هي الإطار العام الذي يسمح بتركز السلطة والثروة في يد حفنة قليلة بدعوى تفوقها على الآخرين، تلك الفئة بدورها تحرص على أن يستمر الوضع بهذا الشكل، هذا الوضع لا أخلاقي وهو أكبر تهديد للديمقراطية وأكبر تشويه لمفهوم الجدارة، الجدارة الحقيقية ليست مقدار تفوق الشخص على من حوله، ولكن مقدار ما يسهم به في رفاهية المجتمع ككل".

ويضرب مثلاً بالشركات؛ حيث الفرق الشاسع بين مرتبات وامتيازات المديرين من جانب والموظفين من جانب آخر، فالإدارة وحدها هى مَن يملك حق تحديد الرواتب، ولا يرتبط مقدار الراتب بسلوك المدير أو إنتاجيته.

إن تغيير مفهوم الجدارة هو أولى الخطوات اللازمة لينتقل العالم من إطار المنافسة إلى إطار التعاون؛ ليتشارك الجميع في كل تقدم ورخاء بالعدل والمساواة.

أتفق مع ما قاله بومان، وأؤمن أن الحياة رحلة علينا الاستمتاع بكل محطاتها، وليست سباقاً نركض فيه بلا توقف حتى تنقطع أنفاسنا؛ لنفاجأ يوماً بأن أيادينا خاوية إلا من قبض الريح.

المنافسة قانون الحياة في الأدغال، أما التعاون فعنوان التحضر، كما قال الفيلسوف الروسي "بيتر كروبتيكن"، ابدأ بتغيير العالم بتغيير نفسك، انبذ المنافسة، وكُن متحضراً.

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.