المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

سهى جاد Headshot

في مدح الإنسان .. أينما كان موقعه!

تم النشر: تم التحديث:

2016-07-21-1469097570-<br />
7079113-.jpg

"مايكل سيكونتي" أحد قضاة مدينة باينسفيل بشمال ولاية أوهايو.ذاع صيته، برغم أنه يشغل وظيفة عادية ولم ينظر قضايا شهيرة أو تخص أحداثاً جساماً، سبب شهرته تبنيه منهج "أبوى وتربوي" في القضاء قوامه الحكمة الشهيرة "الجزاء من جنس العمل"، كما أن له طريقة مبتكرة في محاسبة المتهمين.

  • وقف أمامه شخص بتهمة حمل سلاح بدون ترخيص، فعاقبه بقضاء ليلة في المشرحة ليرى الجثث وكيف يكون الموت.
  • وقف أمامه بعض المراهقين بتهمة تفريغ إطارات أوتوبيس حضانة أطفال كان من المفترض أن يقلهم إلى رحلة ترفيهية، فكلفهم بأن يتكفلوا بكل ترتيبات الرحلة، ومصاحبة الأطفال فيها.
  • وعندما وقفت أمامه سيدة، تخلصت من 35 قطة بتركهم في الغابة في الشتاء، عاقبها بأن تبيت ليلة كاملة في الغابة وحدها.
يقول سيكونتي :

عندما تنجح في الوصول إلى الناس، وتمدح سلوكهم الحسن، ترفع من تقديرهم لأنفسهم. منهجي في القضاء لا يختلف عن منهجي كأب، عندي خمسة أبناء، يمكنك أن تضربهم وتعاقبهم عند الخطأ، لكن ما جدوى ذلك؟!

معظم الناس يودون أن يفعلوا الصواب، لكن تقف أمامها طباع وعادات سيئة اكتسبوها أو عقبات تحول دون ذلك، علينا أن نغير العادات، ونرفع العقبات، فذلك واجبنا.

ذكرتني كلماته تلك بما سمعته من أحد مديريّ: "المدير، كالأب والأم، واجبه يوصل الموظفين يبقوا أحسن منه".

كلمات تتسق مع تجربتي العملية السابقة على عملي معه، لخص بها رؤيته وما أؤمن به وطبقته وإن لم أكن قد فكرت فيه بتلك الصيغة من قبل.

ففي الرابعة والعشرين من عمري، كلفت بقيادة مشروع مدته عامان، يهدف لميكنة قطاع يضم 8 إدارات، كان التكليف بقرار استثنائي، وجاء تقديراً لتميزي في عملي العامين السابقين.

كان فريق العمل مكوناً من عشرة أشخاص، حديثي التخرج، ولم يكن أي منهم متخصصاً في الحاسبات أو البرمجة، وهو أمر كان شائعاً في حينها.

لم تقتصر مهمتي على دور مدير المشروع، فقد كان الأهم بناء مهارات فريقي الفنية، كان الأمر أشبه بتدريب يصاحبه تطبيق عملي، وليس مجرد إدارة مشروع.

في نفس الوقت كان هناك مشروعان مماثلان يقودهما من هم أكثر مني خبرة ومعهم فرق أكثر خبرة.

بين تدريب زملائي وبين متابعة تنفيذهم لمهام المشروع تطلب الأمر أن أعمل ساعات مضاعفة وبلا أجر إضافي، لأكمل مشروعي في الوقت المحدد.

نجحنا في تنفيذ المشروع، وكنا الفريق الوحيد الذي أنهى عمله في الوقت المحدد وبالكفاءة المطلوبة برغم فارق الخبرة بين الفرق الثلاثة.
كان ذلك المشروع أولى تجاربي الإدارية، وأثر كثيراً في أسلوبي في الإدارة في كل ما شغلته من وظائف بعدها.

تعلمت ألا أعتمد على "سلطة" المنصب، ولكن على كسب الاحترام.
تعلمت أن أستثمر فيمن أديرهم، فأمنحهم وقتاً واهتماماً يتعدى الإشراف الفني، إلى محاولة فهم كل فرد منهم كإنسان، ما وجه تميزه؟ ما الذي يشعل حماسه؟ ما هي أهدافه؟ وأن أضع تلك المعرفة جنباً إلى جنب إلى جوار مهام المشروع، وأوظفها في وضع الشخص المناسب في المكان المناسب فتتحقق أفضل نتيجة للعمل، كما يتحقق الرضا الوظيفي، وهو السبيل الوحيد لتكسب ولاء الموظف وعمله المخلص.

تعلمت أن المال عامل مهم ودافع للعمل، لكنه ليس العامل الأوحد، لتحفيز الموظفين، والمدير الماهر قادر على تنمية فريقه والحفاظ على رضائهم الوظيفي حتى إن لم تتوافر له الإمكانيات المادية كما يود.

وأنا أدربهم كنت أجتهد لنقل كل خبرتي الفنية وما درسته لهم، ولم أفكر هل سيصبحون "منافسين" لي يوماً ما؟!

كنت أسمع تحذيرات "لا تعطي كل ما عندك، أحتفظي بما يجعلك متميزة" ولم أستمع لها يوماً ولم أندم على ذلك أبداً. لم أشرح شيئاً، إلا ازددت به معرفة وعلماً، ولم أساعد أحداً وبزغ نجمه ونجح إلا وسعدت به، وشعرت بأن نجاحه جزءً من نجاحي.

لم أهدر يوماً تفكيري في كيف "أعرقل" آخر، أو كيف "أحمي" نفسي، ومكاني وتميزي، وعندي قناعة أن عدم التفكير في تلك الأمور نعمة كبيرة، تمنح الإنسان هدوءاً نفسياً كبيراً يسهم كثيراً في نجاحه.

الخلط بين النجاح والفوز أنبت مفهوماً مقيتاً للمنافسة، جعل الانتصار على الآخر هدفاً في حد ذاته، يتخطى حدود حياتنا العملية، الأمر يبدأ بالتربية، الأم التي تستنكر فقد ابنها درجة أو درجتين وتعتبر أنه غير ناجح؛ لأنه "لم يفز" بالمركز الأول، تسيء له دون أن تدري!

أحدث الدراسات التربوية تؤكد أن من مصلحة الطفل أن نمدحه على ما يبذله من جهد، وليس على نتيجة هذا الجهد. والفرق شاسع بين الرسالة في الحالتين. عندما تمدح في الطفل بذل الجهد، تعلمه أن يبذل دائماً ما بوسعه، أن يكون "ساعياً" دائماً ليتعلم، ويعرف، مجداً في عمله، وألا يضع نجاحه وسعادته رهن نتيجة لا يملكها، إن لم تتحقق لأي سبب يصيبه الشعور بالفشل، تحرره من ربط نجاحه وتقييمه لنفسه برضا أو إعجاب الآخرين، تخرجه من أتون المنافسة الأحمق.

الأمر متغلغل بداخلنا حتى أصبح من المسلمات التي لا يناقشها أحد، رغم أثرها السيئ على الحالة النفسية والجسدية للإنسان بما تمليه من توتر ومشاعر سلبية مرهقة.

في السنة النهائية بالجامعة، منحني أحد أساتذتي الدرجة النهائية في أعمال السنة، وعلق أستاذ آخر كان يشاركه تدريس نفس المادة قائلاً: "أما الطالب ياخد درجة نهائية، الأستاذ ياخد إيه؟"، وهو لسان حال الكثيرين، منطق لا أفهمه ولا أحبه، ولا أنسى رد أستاذي :"الأستاذ لا يضع نفسه في مقارنة بتلاميذه".

وقد شاءت الأقدار أن أعمل مع كليهما عدة سنوات، وأن أعرف الاثنين عن قرب، وعلى مستوى أعمق من مستوى الطالب والأستاذ. وشتان بين أستاذي الذي لا ينافس طلبته والأستاذ "التنافسي"، ظل الأول بعيني "الأستاذ" و"المعلم"، والقدوة الذي أتعلم منه، وهبط الآخر بتصرفاته إلى منزلة "زميل" له ما له وعليه ما عليه، فتصرفات الإنسان تصطبغ بقناعاته.

أمقت المنافسة والتنافس، أؤمن أنها معول هدم لا بناء، وأراها السبب وراء بيئات العمل المحتقنة، حيث يهدر العاملون طاقتهم في الإيقاع ببعضهم البعض، أو عرقلة غيرهم، ولا يمكنهم تقبل أنه يمكننا أن ننجح "جميعاً"، وأن النجاح ليس بمعركة فيها فائز أوحد، ولكنه شعورك بالرضا والإنجاز.

الخطيئة التي طُرد بها إبليس من رحمة الله كان دافعها المقارنة والمنافسة "قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ"، لو لم يقارن، لم يعصَ، لم يطرد من رحمة الله!

أول جريمة على وجه الأرض كان سببها المشاعر التنافسية، فلو لم يقارن قابيل نفسه بأخيه، لانتبه إلى أن قربانه لم يُقبل لأنه سيئ ولا علاقة لذلك بقربان أخيه، المنافسة تشعل المشاعر السلبية، الغيرة، الحقد، عدم الرضا، الرغبة في الانتصار على الآخر، تجعلك تهدر طاقتك في أفكار وربما تصرفات سلبية، بدلاً من أن تستثمرها فيما ينفعك.

من الخير أن يهتم الإنسان بعمله هو، وأن يكون نجاحه هو قيامه بأداء واجبه على أكمل وجه، على قدر طاقته وعلمه. وألا يضع نفسه في خصومة ولو معنوية مع غيره وألا يجعل تقدمه عليهم شرطاً ليعتبر نفسه "ناجحاً".

كيف ستكون الحياة لو قدم الناس "العلاقات الإنسانية الطيبة" على مشاعر التنافس، "سيكونتي" القاضي قد نجح في يعامل "المتهمين" كما يعامل أبناءه، يسعى لإصلاح سلوكهم لا عقابهم، لأنه يؤمن أن الخير موجود في كل البشر، فقط يحتاج من يبحث عنه ويستخرجه منهم. تغليب الإنسانية والرحمة في العلاقات ليس مثالية زائدة، هي حاجة ملحة، بعض أماكن العمل تحولت حرفياً إلى مجازر نفسية، يسقط فيها الضحايا كل يوم، لكن من يجرون في السباق، ويديرون تروس العمل التي لا ترحم لا يتوقفون ليسألوا: هل الأمر يستحق؟ هل يمكن أن أنحّي "المنافسة" جانباً، وأركز فقط على عملي؟!

كن ممن نجاحهم ليس مشروطاً بهزيمة غيرهم، من يمرون على الدنيا بهدوء، يرضيهم أثر تركوه يعرفونه، ويعرفه الله، وإن لم يعرفه أحد، فلا فائدة من نجاح يؤرقك، ويجلب معه الضغط النفسي، والتوتر، والمرض، تذكر أن الاختيارات في الحرب لا تنحصر فقط بين فائز وخاسر، هناك اختيار ثالث أن ترفضها، ألا تحارب!

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.