المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

سهى جاد Headshot

عن ثقافة اللف والدوران!

تم النشر: تم التحديث:

أخذت لورا كيتنغ ابنتيها إلى أحد المطاعم المخصصة للأطفال، حيث تقدم وجبات الطعام مع عروض مخصصة للترفيه عن الأطفال، طلبت وجبتين للبنات ولم تطلب لنفسها شيئاً فهي مصابة بمرض مزمن في المعدة، يجعل من تناولها الطعام العادي مغامرة قد تصبح كارثية، ورغم اجتهادها هي وزوجها ألا يتحدثا أمام البنات عن مرضها فإنهن بطبيعة الحل قد شهدن نوبات المرض القاسية التي تنتاب لورا أحياناً، وألِفن زيارة المستشفى ورؤية الأطباء ومقدمي الرعاية الطبية في منزلهن إذا اقتضت الضرورة.

أصرت النادلة على أن تطلب لورا شيئاً وفق قواعد المحل، ورفضت لورا، فتم استدعاء مدير المحل، وعندها فوجئت لورا بابنتها التي تبلغ من العمر أربعة أعوام تنبري في الدفاع عنها، مخاطبة المدير قائلة: "أمي لن تطلب شيئاً، لا يمكنها الأكل هي مصابة بـ" gastroparesis" وتصاب بألم شديد إذا أكلت أو شربت أي شيء، هناك أنبوبة مركبة تحت قميصها يتم حقن الغذاء من خلالها، وإذا أكلت شيئا بالفم تمرض وتذهب إلى المستشفى، لا أريدها أن تمرض".

اندهشت لورا أن ابنتها تعي كل تلك التفاصيل عن مرضها، وسعدت لدفاعها عنها بشجاعة أفحمت المدير الذي انصرف بعدها بلا كلمة واحدة متفادياً النظر إلى مائدتهم حتى غادروا المحل.

تركتني ابنة لورا في حالة اندهاش كما حدث لوالدتها تماماً، ليس لإلمامها بتفاصيل كثيرة عن حالة أمها برغم صغر سنها، لكن ما أدهشني بساطة تصرفها وتلقائيته، عندما تطوعت وشرحت سبب إحجام الأم عن طلب الطعام.

لماذا لا نقول ما نريده مباشرة؟.. لماذا لا نجيب عن الأسئلة التي تطرح علينا بلا لف ولا دوران؟.. لماذا نعقد الأمور بأنفسنا وكأنما الحياة ليست معقدة بما يكفي؟!

ماذا لو قالت لورا للنادلة ما قالته ابنتها، فأوضحت لها أنها مريضة، لا يمكنها تناول الطعام؟ أعتقد أن الموقف كان سينتهي نفس النهاية، التي انتهى بها دون حرق أعصاب في مناقشات عقيمة متصاعدة يصر فيها كل طرف على طلبه أو موقفه دون أي محاولة لتوضيح أسبابه؟

أظن أن لورا تشعر بأن من حقها ألا تطلب وجبة ومن حقها أيضاً ألا توضح الأسباب، وهو منطق نطبقه كثيراً في أمور الحياة.

أحياناً نتصرف بطريقة غير مفهومة رغم وجود سبب لتلك التصرفات، نتمسك "بحقنا" في أن تُقبل تصرفاتنا بلا توضيح؛ لأنه "حقنا"، ويزداد الطين بلة إذا كانت تلك التصرفات عكس توقعات الآخرين منا، فتصطدم توقعاتهم التي لم تتحقق بحوائط الحماية التي أقمناها حول أنفسنا لنختبئ خلفها خوفاً أو تألماً وأحياناً يأساً!

يتزايد الخلاف، وتتسع الهوة، جانب يشكو من عدم احترام قرارات لم يفسرها، وجانب يشكو خذلان توقعات هو افترضها!
وبين الشد والجذب تنقطع شعرة معاوية، وينفرط عقد الرابطة.

أشعر بالأسى عندما أصبح طرف ثالث في مواقف كهذه، يبدو لي الحل سهلاً جداً، لماذا لا يقول كل طرف ما عنده بوضوح ومباشرة؟ لماذا نعشق "اللف والدوران"؟

يسألني الطرف الأول: أليس من حقي أن أقول لا؟! أجيب: حقك فعلاً لكن ما الضرر لو شرحت للآخر أسبابك؟! .. يسألني الطرف الثاني: "كيف يرفض طلبي بعد كل ما يربطنا؟ لا أتصور ذلك!" أجيب: أفهم أنك لم تتوقع أن يرفض، لكن في النهاية من حقه أن يقرر ما يصلح له، وبالتأكيد لديه أسبابه".
كل طرف ينظر للأمر نظرة أحادية يرى فيها "حقه" وحده، بمعزل عن حق الآخر وتوقعاته. ماذا يضيرنا لو تعاملنا بالفضل لا العدل؟ ألن تصبح حياتنا أيسر؟ ألن نوفر على أنفسنا طاقة نهدرها في الخلافات والمشاكل وسوء الفهم؟!

لماذا لا نأخذ الحياة ببساطة، وبعدل، فيعلم الأول أن من حقه أن يرفض ويتفضل بالشرح ليريح الآخر! ويتعلم الثاني أن من حقه أن يتوقع القبول، وإذا رفُض فلأن للآخر أيضاً نفس الحق في القبول أو الرفض، حتى إن لم يذكر الأسباب، فيتقبل الرفض بصدر رحب!

هل تستحق كل أمور الحياة أن يتمسك كل طرف "بحقه" مهما كلفه ذلك، حتى لو كانت العلاقة الإنسانية ذاتها؟! كم من الوقت والجهد والأعصاب نحتاج أن ننفق حتى نتعلم حكمة تعلمها ابنة الأربع سنوات بفطرتها؟!!

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.