المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

سهى جاد Headshot

عيدكم أجمل بلا "نوموفوبيا" !

تم النشر: تم التحديث:

2016-07-06-1467833546-1330249-untitled.png

​​كتب أحد أصدقائي الأجانب لخطيبته على صفحتها على الفيسبوك : I love you more than my phone"""أحبك أكثر من هاتفي"!

ولعل في تلك العبارة البسيطة خير مثال على مدى تغلغل الهواتف المحمولة في حياة الكثيرين. ​فما أتعسها من حِقبة نحياها،يُقارنُ فيها الحبيب بجهاز،وندلل على محبتنا له بأنه أعز عندنا من "الحديدة" !

إذا كان هاتفك له أكبر حصة من وقتك وإهتمامك، إذا كان هو نافذتك ومتنفسك ودوائك ،إذا كنت لا تتصور فكرة التخلي عنه لساعات محدودة وتشعر أنك ستفقد جزءً من نفسك إن تخليت عنه، إذا كانت هويتك الإفتراضية على شبكات التواصل والمواقع الإجتماعية جزء لا يتجزأ منك. إذا كنت لا تستطيع إغلاق هاتفك حتى في أجاز​ا​تك ورحلاتك، إذا كان له نصيب الأسد من صورك ومشاعرك و​تعتمد عليه تماماً في ​تسجيل لحظات فرحك ويأسك، فربما أنت مصاب بال "Nomophobia".

النوموفوبيا،مصطلح ​يقصد به الخوف المرضي من إحتمال فقد التواصل مع العالم من خلال الهاتف المحمول، حيث يبدوا على الإنسان أعراض الضيق والقلق المبالغ فيهما إذا حال حائلٌ بينه وبين هاتفه المحمول، أو خيل له ذلك !

ربما هو الأن بين أناملك، أو تضعه في جيب قميصك مجاوراً لقلبك. ربما لا يفارقك حتى في نومك فتضعه في متناول يدك بجوار فراشك. فهو البوابة السحرية التي تفتح من جهة على حياتك ومن الجهة الأخرى على حياة غيرك على مدار ال 24 ساعة.

وسيلة "التواصل" العابرة​ لحدود المكان والزمان، ​فبلا إستعدادات مسبقة، ​و​بلا إستئذان،"تزور" و"تغادر" من تشاء ربما ​أحياناً حتى ​دون أن يدري!

​من سنوات طويلة ​طلبت ​من ​أحد أساتذتي في الجامعة ​رقم تليفون المنزل ​لأتواصل معه بخصوص مشروع تخرجي فأملاني الرقم وهو يقول "الإتصال من التاسعة صباحاً إلي التاسعة مساءً". تلك الأيام التي كان يشعرفيها المتصل بالإحراج ويعتذر بشدة عن "الإزعاج" إذا إتصل في الحادية عشر مساءً مثلاً رغم أنه غالباً يتصل في تلك الساعة لأمر​ طاريء أو​ هام يبرر"الإزعاج"!

في هذا العصر يغضب منك من لا يتلقى إجابة فورية على رسالته أو مكالمته بغض النظر عن توقيتها. لم يعد هناك "إتيكيت​" للتواصل ، أصبحنا "متاحون" ما دامت هواتفنا تعمل. تأتينا التنبيهات ​فنستجيب لها فوراً، نتلقى المكالمة أو نرد على الرسالة، أو نبدي الإعجاب، أو ننخرط في نقاش حام مع الأخرين في أي ساعة من ساعات الليل والنهار. ذابت الحواجز، وأصبح بإمكانك أن تخمن "مزاج" الآخر، ​ أو ما يمر به من متابعته، ​وأصبحت حدود الإتصالات "سداح مداح" وكله "عادي" ومن ينزعج منها هو "الشاذ".

سقط الكثيرون في أسر تلك التقنيات حتى أصبحوا ​لا يستطيعون الحياة بدونها ولو لساعات قليلة،وزاد الإعتماد عليها بدرجات متفاوتة منها البسيط ومنها المرضي الذي قد يصل حد الإدمان.

ولو لم يكن هذا التعلق لما تقبلنا ببساطة إعترافات المسئولين عن الفيسبوك بإجراء تجارب للتحكم في "مزاج" مستخدميه من خلال بث الأخبار المحزنة على حوائطهم، ثم قياس أثر ذلك عليهم ودرجة الإكتئاب الذي أصابهم​​، لم ننزعج ولم نقرر مقاطعة الفيسبوك مثلاً، لأننا ببساطة أصبحنا لا نستطيع الإستغناء عنه !

ومررنا​​ مرور الكرام ​على ​إعتراف آخر من أسابيع قليلة بأن تطبيق ال Messenger الموجود على الهواتف يقوم بتسجيل المحادثات الصوتية للمستخدمين في بيوتهم حتى يتم التعرف على إهتماماتهم وإظهار الإعلانات المناسبة لهم.

​كذلك​ نتعامل بسطحية مع تجارب أخرى يدعونا الفيسبوك للمشاركة​ فيها بطريقة غير مباشرة عندما يُطلب منا​ بأن نغير صورة ​الحساب لنبدي التعاطف مع باريس بعد التفجيرات، أو لتأييد زواج المثليين ..إلخ.إذا كان هذا ما "أكتشفناه" و"يعترفون" به فما حجم وخطورة ما لا نعرفه ولم نكتشفه بعد؟

ألا يخبرنا القليل الذي نعرفه أن تلك الهواتف هي أدوات تخطت مرحلة سرقة أوقاتنا، و"غوايتنا" بمشاركة حياتنا وأرئنا وقياس تفاعلنا مع العالم وأحداثه، إلي مرحلة ​أكثر خطورة يتم فيها ​التحكم في حالتنا النفسية والتجسس علينا في بيوتنا، ورصد أماكن تواجدنا وتنقلاتنا؟!!

​تتطور ​الهواتف كل يوم لتصبح أقل سمكاً وأكثر دقة ويزداد ما نمنحه لها من مساحات في حياتنا وخصوصياتنا وأنفسنا عن طيب خاطر وبكل رضا!

وتتكاتف مع شبكات التواصل والتطبيقات المتعددة على محاصرتنا، تبيعنا الوهم ونشتريه ونحن صاغرين!

​أ​تعاني الوحدة؟ يمكنك بسهولة أن تحصل على مئات من "الأصدقاء" والمتابعين.

​أ​لديك موهبة أو فكرة لا تعرف كيف تصل بها إلي الناس؟ هاك منصة مجانية.. تعمل 24 ساعة هاتِ ما عندك، وستجد "المردود" فوراً.

تعاني مشاكل في حياتك، ولا تملك شجاعة إتخاذ ما يلزم من قرارات أو التغيير سيكلفك الكثير؟ تجاهلها وعِش حياة موازية.

في ا​لعالم الأثيري يمكنك أن تكون شخصاً ​آخر​. يمكنك أن ترسم الصورة التي تريدها عن نفسك،​فتظهر ​ما تشاء وتخفي ما تشاء. عالم تمتلك فيه قوى سحرية، بضغطة زر يمكنك أن تمحي من لا يروقون لك، أو تخرس من تزعجك أراؤهم، أو​ تكون "ناشطاً" مدافعاً عن قضية​​. فالمسرح ​مسرحك والعرض عرضك​، ​وأنت من يكتب ويمثل ويخرج ويوزع الأدوار​، ​تُسير الأحداث كما يعِن لك​.
تلك "المحفزات" هي ما تجعلنا مسلوبين الإرادة بدرجة أو بأخرى أمام هذا الإستعباد التكنولوجي، الذي يغوينا لنهرب من واقعنا الشخصي أوالسياسي أوالإجتماعي أو جميع ذلك ​إلي بدائل أيسر وأمتع وأقل تكلفة . وهو هروب لا يختلف كثيراً عن الهروب في دخان سيجارة، أو بشراب مسكر، أو جرعة مخدر تمنحك الخيال وتدمر الواقع !

نحن الأن في أيام مباركة، أيام العيد،أيام التواصل مع الأهل والأصدقاء الذين تأخذنا مشاغل الحياة اليومية منهم، أيام الخروج من البيوت المغلقة وروتين العمل اليومي ومشاغله إلي الطبيعة التي خلقها الله لنا.​ أيام شحن النفس والروح بالتواصل مع من نحبهم ولا تسمح ظروفنا أن نستمتع بصحبتهم في ماراثون الحياة اليومية.

عِش حياتك ولا تكتفي "بتوثيقها" و "نشرها"، إحتفل وأعط نفسك ​لمن يشاركونك الواقع بكامل حضورك وإهتمامك ، أحصل على ​أجازة من العوالم الإفتراضية، ومن تطبيقات التواصل التي تحتل هاتفك وتتلصص على حياتك، وتسرق عمرك. ​أولِ إهتمامك لحياتك ومن يشاركوك فيها فعلاً من أهل وأصدقاء وأ​سعى لتنال إعجاب هؤلاء وإسعادهم ​في الواقع اليومي ، وإسع لإستكمال ما ينقصك ، ​وتعامل إيجابياً مع ينغص واقعك، ​فلن يتغير ​الواقع بالهروب منه بل يزداد سوءً كلما تجاهلته وأهملته. عيدك أجمل بلا نوموفوبيا.. صدقني!