المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

سهى جاد Headshot

المهنة راقصة تعرٍّ.. الراتب 60 ألف دولار شهريًا.. ولا عزاء للأمومة!

تم النشر: تم التحديث:

2016-04-19-1461108145-7263412-unnamed.png


طالعت منذ أسابيع قليلة مقالة غريبة جداً في موقع أميركي شهير.. تُعرِف كاتبتها نفسها بأنها راقصة تعرٍّ وناشطة نسوية وكاتبة.

المقالة هي رسالة توجهها الكاتبة إلى ابنتها التي تبلغ من العمر 4 سنوات.. تسرد فيها تفاصيل حياتها اليومية "الصباحية" كزوجة وأم وربة منزل متاح لها رفاهية أن تصحب ابنتها نهاراً إلى المتنزه والمتحف والشاطئ.. ولا تضطرها ظروف عملها إلى تركها مع جليسة أطفال.. وتقارن ذلك بالأمهات الأخريات اللاتي تعملن من التاسعة إلى الخامسة ولا يرون أبناءهن إلا ساعات محدودة في نهاية اليوم والإجازة الأسبوعية.

تقول الكاتبة إنها اختارت هذه المهنة عن اقتناع ولو عاد بها الزمن ستختارها مرة أخرى!

تروي موقفاً كانت فيه برفقة طفلتها وصادفت أحد "زبائنها" الذي طاب له أن يسبّها بأسوأ الألفاظ.. معتذرة لابنتها عن أنها ستكبر في عالم ينتقد أمها وأبيها ويعتبرهما بلا قيمة.. عالم ستتعرض فيه لمحاولات التحرش من الرجال!.. وسيعيرها فيه مدعي الأخلاق - على حد تعبيرها - بمهنة أمها.. وتكمل أن الحياة اختيار.. والإنسان يختار من بين ما هو متاح له.. وكتبت متسائلة باستنكار: "لا أحد يفكر أن يسأل عمال البناء المضطرين للعمل في الصقيع إذا كانوا يحبون مهنتهم أم لا؟ فلماذا يوجهون لي هذا السؤال؟

وتضيف: "لا يشترط أن يحب الإنسان عمله".. ومع ذلك تؤكد أنها اختارت هذا العمل بإرادتها وستختاره مجدداً لو خيّرت لأنه يوفر لها ما تحتاجه.. وتقول إنها تعلم ابنتها أن الكلمات لا تجرحنا إلا إذا تأثرنا بها.. وأن عليها ألا تكترث بما ستسمعه من زملائها وممن حولها عن أمها وعملها.

المقالة حظت بتعاطف كبير من القراء الذين مدحوا "شجاعة" الكاتبة وصدقها وثقتها بنفسها باستثناء عدد قليل من التعليقات الممتعضة من تبرير العهر.

العقل الإنساني له قدرة مبهرة على المناورة وتبرير ما لا يبرر! فلا يقف الأمر عند استباحة ما يشاء.. بل يلقي على اختياره المشين مسحة من الحكمة ونبل المقاصد. والأغرب أن ينجح في إقناع آخرين بهذا الباطل المُزين فينطلقون يهللون له ويمدحونه وكأنه الحقَ البين!


لعبت الكاتبة - ربما بخبث مقصود - على وتر حساس في قلب كل سيدة عاملة.. ينبض بالشعور بالذنب نحو أبنائها الذين تتركهم جل وقتها بسبب العمل، وادعت أنها وجدت الحل السحري الذي يحقق المعادلة الصعبة! فها هي تستطيع أن تصحب ابنتها نهاراً وتتواجد معها!

الكلام فيه مبالغة لا تخفى على أحد فلا يعقل أنها تعمل طوال الليل وتصحو طوال النهار! تتحدث عن خوفها على ابنتها التي ستتعرض للتحرش.. وتتجاهل أن صناعة العري التي تعمل بها أحد أهم أسبابه.. ذكرت حادثة التهجم اللفظي عليها أمام ابنتها، وهو ملمح من المؤكد أنه سيتكرر في حياة هذه الابنة المسكينة.

تتجاهل أنها حرمت هذه الابنة من أن تكون لها أماً محترمة تفخر بها، وهو أمر لا يقدر بثمن! أمر قد يدمر حياة هذه الابنة المسكينة وثقتها بنفسها.. تتجاهل أن "اختياراتها الحرة" ستصم هذه الابنة إلى الأبد، وستفرض عليها أن تحمل وزراً لا ذنب لها فيه!

والأهم من كل ذلك أنها في وسط كل هذا الكم من الإنكار والتدليس لم تذكر "الدافع الحقيقي" وراء امتهان هذه المهنة الرخيصة التي تحولها من إنسان إلى سلعة تباع وتشترى.. ألا وهو المال الوفير الذي ينهال على من تعمل في هذا المجال!

لم تقل لنا "الكاتبة" بكم تبيع نفسها وتتخلى عن إنسانيتها وكرامتها لتتحول إلى سلعة وضيعة تخاطب غرائز الحيوان في الإنسان! لم تذكر شيئاً عن المال في تلك المقالة الطويلة لأنها لو ذكرته لانهار كل هذا الصرح التبريري الرهيب الذي بنته لتخدع به نفسها.. ونجحت أن تخدع به شطراً كبيراً من القراء الذين تعاطفوا معها.. وبما رسمته من حياة مثالية ترعى فيها ابنتها ولا تتحقق لمن تعمل في وظيفة عادية!

المال هو السبب الحقيقي والأوحد للعمل في هذا المجال القذر.. كما جاء في مقالة أخرى نشرتها جريدة "التايم" الأميركية وهي مقابلة أجرتها مع "بيري ويلسون" ممثلة الأفلام الإباحية.. التي دخلت هذه الصناعة وهي في التاسعة عشرة من عمرها واعتزلتها في الخامسة والعشرين.. وتحذر "بيري" الفتيات من العمل بهذه المهنة التي تدمر نفسية الإنسان وتقضي على سلامه النفسي، وتقول إن دخلها الشهري الذي وصل أحياناً إلى 60 ألف دولار لم يمنحها السلام النفسي أو الاحترام لنفسها أو احترام الناس.

تقول إنه لا زالت تنهال عليها عروض تصوير أفلام لا تتعدي مدتها دقائق محدوة مقابل 20 ألف دولار عن الفيلم الواحد.. ومع ذلك ترفض فقد تركت هذه المهنة بلا رجعة.. ويقطع حديثها مع الصحفي نوبات انفعالية وبكاء الندم.

كانت "بيري" أكثر صدقاً.. وأقرت بأنها لأجل المال باعت نفسها وكرامتها وتحولت إلى سلعة رخيصة.. لم تفلسف الأمر.. لم تبرر ما فعلته.. لم تبتز مشاعر الناس.. بل على العكس كان هدفها من الحوار أن تحذر الشابات الصغيرات من مغبة استسهال هذا الطريق.. وأن تبرز لهن حجم الضرر والألم النفسي والصراع المدمر الناتج عنه.

تمنيت لو التقت المرأتان واستعارت كل منهما شعور الأخرى نحو حياتها.. فاستبشعت الأولى فِعلها وتابت عنه.. وسامحت الثانية نفسها عن ماضٍ يؤرقها ويفسد عليها حاضرها!

وتذكرت العبارة الشهيرة "كُلاً مُلقن حُجته". فمنذ فجر البشرية برع الإنسان في أن "يُفلسف" أخطاءه ليريح ضميره ويلقي اللوم على غيره.. ألم يدعي قابيل أن قربانه لم يُقبل لأن آدم لم يدعو له.. متجاهلاً حقيقة أنه قدم أسوأ ما عنده كقربان!

لا يعدم الإنسان وسيلة ليبرر أفعاله ويجمل القبح ويخفي ملامحه بقناع برّاق.. لكن ذلك لا يغير من "الحقيقة" شيئاً.. القبح يظل قبحاً مهما تجمل.. ويتضاعف أذاه إذا كان الأمر لا يمسه هو فقط.. فتمتد الإساءة والظلم لتمسّ أقرب الأقربين.

لا شيء يمر في هذه الدنيا دون حساب.. والله لا يغفل ولا ينام.. يمهل ولا يهمل.. يُملي للظالم - لنفسه أو لغيره على حد سواء - علّه يرجع عن غيّه.. ثم إذا أمسكه لم يفلته!

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.