المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

سهى جاد Headshot

أمي.. التربية بالوشم!

تم النشر: تم التحديث:

2016-03-16-1458117379-3139606-12524344_470069066525914_3489540747326153167_n.jpg

نحتفل اليوم بعيد الأم.. وككل مناسبة منذ رحيلك يا أمي.. تأتي لتزيد في قلبي غصة فراقك.. وتغيب روحي عني لأيام تطول أو تقصر.. خمس سنوات مرت لم أرَ فيها وجهك.. أو أسمع صوت ضحكاتك.. خمس سنوات دون أن أحكي لك ما يؤرقني وأنهل من حكمتك وخبرتك.. خمس سنوات وحدي.. فلم يكن لي غيرك.. وتعرفين!

لن أستطرد في بكائك وسكب ألمي وأحزاني.. فلم يكن ليرضيك ذلك.. لكن سأكتب عنك وعن فيض حكمتك وحبك وأمومتك التي رفلت في نعيمها سنوات طوال..
سأروي بعض ما تعلمته منك.. والماثل في روحي ووجداني.. أسترجعه في كل لحظات حياتي.. لعله ينفع غيري كما نفعني ويكون في ميزان حسناتك..

تُفرد "آن لاموت" فصلاً كاملاً في كتابها "انتصارات صغيرة" تسميه "كتاب الترحيب".. تعبر فيه عن ألم كل من أتوا إلى الدنيا ولم يرحب بهم أحد.. فشعروا أنهم عبء عليها وعلى آبائهم.. وتعلق ساخرة بأنه من المؤكد أن هناك "كتاب ترحيب" بالإنسان منذ يوم ولادته لكنه مفقود في مكان ما!
تترقرق في عيني دمعات وأبتسم متذكرة مئات المرات التي رددتِ فيها ما حدث يوم ولادتي:

"عدنا من المستشفى يحملك بابا ويلف بك الغرف "دي أوضة النوم يا سهى.. دي أوضة الصالون" وجدتك تهمس "جاد هيتجنن بالبنت!".

تحكي ووجهك يفيض بالسعادة.. تسترجعين هذا اليوم الاستثنائي وفرحتك بأول مولود.. وتقلدين فرحة أبي وجدتي..

أول أدوار الأم أن تشعل في طفلها جذوة النور الذي يميزه.. أن تودع في قلبه رصيداً كبيراً من المحبة والحنان.. يعينه على صعاب الحياة طوال عمره.. كتبتِ بكلماتك تلك "كتاب الترحيب" الذي يخصني.. وذكرتِني به مرات ومرات.. أضأتِ في جنباتي نوراً لا ينطفئ.. وغرستِ في قلبي رسالة: "نحبك.. رحبنا بك.. أنت الفرحة الأولى".

"الإنجليزي يا سهى الإنجليزي لو مش شاطرة فيه مش هتنجحي في شغلك دا لو اشتغلتي أصلاً"

كانت عقدة أمي التي عرقلت ترقيها أكثر من مرة عدم إجادتها الإنجليزية.. كل عام تشتري لي كتباً وقصصا للأطفال بالإنجليزية و"تزنّ" عليّ أن أقرأها وأن أفتح القاموس وأبحث عمّا لا أعرف.. من مكتبة المنزل تخرج كلاسيكيات الأدب الإنجليزي وتحثني أن أقرأها.. كانت صعبة لكن هوامشها المزدحمة بالمعاني بالعربية بخط أبي المنمق الجميل تحمسني أن أقرأ.. القناة الثانية هي القناة التلفزيونية الرسمية بأفلامها وحلقاتها الأجنبية.. "اسمعي ولا تقرأي الترجمة".. تابعي: "العالم يغني".. "اخترنا لك".. "أوسكار".."نادي السينما".

تكتب الصحف عن شكوى الطلاب من صعوبة امتحان اللغة الإنجليزية للشهادة الإعدادية.. تسألني: "إنتي مش قولتي كان كويس؟" أرد "آه كويس".. تنظر لي بقلق.. يوم النتيجة شهادتي غير موجودة مع الموظفة المسؤولة.. وتخبرنا أنها مع ميس روحية وهي المدرسة الأولى للغة الإنجليزية بالمدرسة..
تسألني ميس روحية : "مين كانت مُدرستك يا سهى؟ أنتي جايبة 39 من 40 في الإنجليزي!"..

تتنفس أمي الصعداء وأنا أيضاً! الحمد لله انحلت العقدة واطمأنت أمي لإنجليزيتي!

أحكي كل ما سبق في المقابلة "الخامسة" للتعيين في شركة "موبينيل" بعد أن سئلت: كيف أتقن اللغة الإنجليزية رغم أني لست خريجة مدرسة لغات؟.. فأحكي واحدة من إنجازات أمي وحكمتها : " أتقن الإنجليزية لتنجح في حياتك العملية!"

في الثامنة أو التاسعة من عمري لسبب لا أعرفه اختلف أبي مع أهله وقاطعهم.. ولم تقاطعهم أمي! تحرص أن تأخذنا لزياراتهم في الأعياد وقبل زيارة أهلها.. تحايله قبل كل زيارة كي يصحبنا.. وتؤنب ضميره بعد كل زيارة بافتقادهم له..

أتعلم منها أن هناك أصولاً وواجباً وتظل في قلبي إحدى عباراتها المتكررة: "خليكي إنتي الأحسن.. عاملي ربنا"..

كانوا يحبونها.. وبخاصة جدتي.. أتعلم أن الصورة النمطية في التراث والأفلام لعلاقة الزوجة مع أهل الزوج والحماة ليست "الطبيعي" وليست "مقرراً واجب التنفيذ"..

تحكي عن أبي ورفضه أن يأخذ "خلو رجل" عند تنازله عن فيلا كنا نستأجرها؛ لأنه لم يدفع فيها خلو رجل عندما سكنا فيها.. تحكي الواقعة بفخر وتذكر أنها حاولت إقناعه بقبوله لأنهم سيضطرون لدفع خلو رجل في الشقة التي سننتقل إليها.. تحكي بلا تزييف للموقف وتفخر بأنه رفض ولم يوافقها.. أتعلم أنه لا يصح إلا الصحيح.. وأن المبادئ لها ثمن وربما تمسكنا بها يؤدي لخسارة مادية.. لكنه يظل واجباً وشرفاً ومحلَّ الفخر والإعجاب.. وأتعلم منها الصدق وتحمل المسؤولية وعدم إنكار الخطأ والاعتراف به بلا مكابرة..

في الرابعة عشر تحكي عن حبها لأبي.. تزوجا وهما في سن الثانية والعشرين.. لكن الحب بينهما كان أقدم من ذلك.. فالأسرتان صديقتان.. أحبها أبي منذ الطفولة.. كان يكبرها بعشرة أشهر.. وسيم وذكي وفنان.. يرسم وينحت ويكتب.. وكانت رائعة الجمال وذكية.. تحكي عن معاكاسته وتجاهلها لها.. وتحكي طرائف كثيرة عن بنات عائلته.. فلانة عملت كذا لتلفت نظره.. وعلانة أمها قالت لأمه كذا.. وتستطرد وتقول: "كنت أحبه.. لكني كنت أحترم نفسي".. أتعلم منها: احترمي نفسك وافرضي احترامك على من حولك بتصرفاتك.. ولا استثناء لأي سبب..

في السابعة عشر.. عامي الجامعي الأول.. لعدة أيام متتالية.. ألاحظ زميلة لأبي تسكن في شارعنا يفوتها اللحاق بأتوبيس الشركة فتركب معه سيارته..

أحكي لأمي وأنا في ثورة: "هو كل يوم يفوتها الباص وتركب معاه؟".. تضحك أمي: "طيب وإنتي زعلانة ليه؟ إنتي مالك؟ "

.. يحمرّ وجهي غيظاً: "يا ماما باقولك دي بتستهبل".. تضحك وتحكي لأبي ويسخرا سوياً من غضبي!
.
أغضب أكثر.. تناقشني بعدها لتهديء ثورتي : إذا لم تثق المرأة في زوجها فلا معنى للزواج ورباطه المقدس.. لا يصح للزوجة أن تراقب زوجها أو تشك فيه أو"تحلق" عليه.. لم أتزوج طفلاً يحتاج وصاية ورقابة كي لا يسيء التصرف.. وإن أساء الرجل التصرف فهو خطأوه هو.. وتحاسبه هو لا غيره.. من تجد نفسها مع زوج لا تثق به فأولى بها أن "تحترم" نفسها وتنفصل عنه! تظل تلك المفاهيم في كياني للأبد: الغيرة انعدام ثقة في نفسك أو فيمن تحب أو مزيج من الاثنين! وفي كل الأحوال "احترم" نفسك.. ودائماً اسأل نفسك "لماذا أشعر بما أشعر به؟.."
ملحوظة جانبية: تصرفت بعقل فتاة السابعة عشر و"حرّمت" زميلة أبي أن تتاخر على الباص!

أحكي لها عن زميلتي في الكلية والتي أطلقت عليها لقب "عروسة المولد" لأنها تتزين بمكياج صارخ.. وترتدي ثياب ملفتة للنظر.. تصحبها أمها حتى باب الكلية كل يوم.. وتعود مساءً لتصحبها من باب الكلية كأنها طفلة في الحضانة!

وبين الصباح والمساء تقضي زميلتي معظم اليوم خارج أسوار الكلية مع زملائنا من الشباب! أحكي لأمي وأقول لها "لا أفهم! إذا كانوا محافظين فما هذه الملابس والمكياج الصارخ؟ وإذا كان لديها الجرأة أن تصاحب شابًّا وأكثر، فالأولى بها أن تتمرد على معاملة الأطفال التي تعاملها بها أمها".. تعلق أمي ببساطة: "أغبياء ومخلفين غبية مثلهم.. علموها الازدواجية.. الكبت يولد الانفجار.. متشغليش بالك بيها".. أتعلم منها: أن الازدواجية وبالٌ، والتصرفات المتناقضة تشي بخلل جسيم.. الكبت يولد الانفجار.. وعليك نفسك!

في العشرين من عمري واليوم عيد زواج أبي وأمي الخامس والعشرين.. حصل أبي على إجازة من عمله.. وعاد لتوه من الخارج بعد أن اشترى لها هدية يخاطبني: "سهى كلمي ماما.. قولي لها متنساش تجيب تورتة".. أطلبها على التليفون في عملها.. تضحك وتقول: "قولي له اللي جرى وراء التاني هو اللي يجيب التورتة".. يجيب ضاحكاً: "هو كده يعني؟ ماشي.. بِجملة!"..

الدرس: يبقى الحب ما أبقيناه حيًّا.. خمسة وعشرين عاماً لم تذبل زهرة الحب في بيتنا.. وظلت هي المرأة المحبة التي تتدلل على زوجها كما كانت وهم صغار!

لم أروِ كل شيء.. فحكايا أمي كثيرة وحكمتها كانت تتدفق مع كل نفس تتنفسه وكل كلمة تنطقها.. وكل ما حكيته سابقاً يرسم صورة وردية عن عائلة لم تعرف غير السعادة والحب والضحكات والحياة المثالية.. والواقع أننا ككل العائلات مررنا بمشكلات وأحزان واختبارات ومواقف تُخرج من الإنسان أسوأ ما فيه.. لكن والله صدقاً لا أذكر من المشاكل والمآسي سوى عناوينها.. أما تفاصيلها فمطموسة في ذاكرتي.. وأي مشاعر سلبية مررنا بها -أو أمر بها- لا أستعيدها ولا أسترجعها.. تُمحى تلقائياً بعد أن تنتهي مدتها وأطوي صفحتها.. ولا يبقى في ذهني إلا الذكريات الجميلة التي تملأ في نفسي مواطن السعادة والأمل والعرفان بالجميل لله ثم لمن سخرهم ليمنحونا إياها..

أن تطوي صفحة الألم هو أهم ما تعلمته من أمي على الإطلاق.. فلم تكن حياتها سهلة كحياتي.. لكنها كانت قوية بما يكفي لتنسى الصعوبات والإساءة وتسامح وتتجاهل وتتغافل.. وتكبر النعمة وتشكر المعروف وتعترف بالفضل وتتخطى أصعب المواقف بابتسامة وروح مثابرة وصابرة وراضية سعيدة برغم كل شيء.. حتى عامها الأخير في الدنيا والذي استهلكت فيه طاقاتنا في معركتها مع المرض الخبيث.. كانت هي مصدر الأمل والعطاء والحب لكل من حولها برغم آلامها..

ربتني أمي "بالوشم".. بتصرفاتها وتعليقاتها وحكاياتها.. علمتني أن حياة الإنسان رواية وهو كاتبها.. وهو من يقرر سير أحداثها وما الذي يستحق أن يبرزه ويتذكره وما لا يستحق غير النسيان بعد المسامحة.. وعليه أن يجعلها رواية ملهمة تمنحه الثقة والتفاؤل عندما تضيق به الدنيا، فيعود يقلب في ماضيه وذكرياته.. اكتب لحياتك رواية نجاح وأمل وسعادة.. ولا تترك للحزن فيها مجالاً!

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.