المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

سهى جاد Headshot

عن الذين لا يحتاجون أحداً..عن النجوم!

تم النشر: تم التحديث:

2016-02-24-1456311392-1030400-article.jpg

البعض كالنجوم البعيدة.. بضوئها الخافت تنير العتمة.. ترشد التائه إلى الطريق.. بحضور رقيق كأنه الغياب.. بلا ضجيج ولا صخب.. مَن اقترب منهم وعرفهم عن كثب وعى أن ما نلمسه منهم هو غيض من فيض.. فترنو إليهم العيون بالإعجاب والإكبار وربما بالحسد.. وتتعلق بهم الأرواح طلباً للصحبة والسكن..

نُدرة يمتاز الواحد منهم بأنه عطوف.. ودود.. قلبه ملاذ ومأوى لمن يحتاجه.. يفيض اهتمامه بلا طلب.. يهب عن طيب خاطر.. يجد سعادته في العطاء.. ماديًّا.. معنويًّا.. بلا حسابات.. وبلا انتظار لمقابل..

مرِن.. لا مانع عنده أن يتنازل عما يريد.. أو يتراجع عن موقفه.. للصالح العام أو لصالح الآخر أو لتفادي النزاع والخلاف..
لا يعتمد على أحد.. لأي سبب.. ولا يُحمِّل أحداً أعباءه.. يقولها صراحة أحياناً أو بلِسان حاله: "لا أحتاج لأحد".. عقيدته الراسخة في وجدانه أنه مكتفٍ بِذاته..

ومن كان مثله ينجح نجاحاً استثنائيًّا يفوق عمره ويشار إليه بالبنان.. فأسس النجاح المثابرة والاعتماد على النفس والعطاء للناس وكلها خصاله..
وثمرة ذلك أن يكون محبوباً ممن حوله.. مرغوباً في صحبته ورفقته.. أحياناً أكثر مما يرغب أو فوق ما يحتمل!

ربما هو أنت.. أو ربما تعرفه.. ولعلك تفخر بنفسك أو ترمق هذا الشخص بنظرات الإعجاب والغبطة.. ألا يبدو كامل الأوصاف؟.. سعيد الحظ؟.. ناجحاً في عمله؟.. محبوباً ممن حوله؟.. مرغوباً في صحبته؟.. لا شيء ينقصه؟!

مبدئيًّا دعنا نتذكر سويًّا أن الكمال لله وحده.. فلا أحد كامل.. ثم دعنا نُمعِن النظر في التفاصيل.. فليس كل ما يلمع ذهباً.. ولا كل من عَلا سَعِد..
الاعتماد على النفس من سمات الأقوياء.. لكن رفض الاعتماد على الآخرين بالكلية، واعتبار ذلك ضعفاً، أمر يتنافى والطبيعة البشرية.. فيه جموح يؤذي الإنسان إذا ما واجه يوماً موقفاً أكبر من احتماله.. فيقف عاجزاً عن طلب المساعدة.. لأنه لم يعتد ذلك!

لا أحد يمكنه الاعتماد على نفسه طوال الوقت وفي كل الظروف.. هناك ظروف قهرية.. وأوقات عصيبة.. إن كلّت قدماك فلا ضير أن يحملك من يحبك ولو قليلاً.. تقبل فكرة أنك كباقي البشر تحتاج لغيرك.. لا تستكبر أن تصرخ وتطلب طوق النجاة إذا شارفت على الغرق.. ولا تتردد في التعلق به فوراً عندما يُلقى إليك!

الرحمة الفياضة والعطف بلا غرض والمودة الصادقة.. نعمةٌ وقبسٌ من صفات الله تعالى.. عندما تمنحها بإخلاص، فإنما تبذل من روحك وكيانك.. ومهما كنت ثريًّا عاطفيًّا فروحك لها طاقة محددة.. تنفد إن لم يُضَفْ إليها ما يقيم أودها.. فانتبه كم أنفقت منها؟ وعلى من؟ وهل يستحق؟.. هل وصلتها بمن يهبها من روحه وكيانه؟.. هل تكلفها فوق ما تطيق؟.. فكما تُعطي بسخاء وبلا تفكير.. هناك من يأخذ بلا تفكير أو تقدير فتكون فاتورة استهلاكه مضاعفة وهم للأسف الأغلبية بين الناس.. المتضادات تتجاذب وبعض العلاقات سامة.. نجاتك في تجنبها!


العطاء بكل أنواعه المادي والمعنوي والعاطفي.. جميل وممتع.. لكنك إنسان.. لست نبعاً لا ينضب أو لا يجف.. فاسمح لنفسك أن تأخذ.. وتعلم أن تطلب.. وتذكر أن عطاءك اختياري.. فلا تخضع للابتزاز العاطفي ولا تسقط في فخ الشعور بالذنب.. كن حريصاً على سلامتك في المقام الأول.. ولا ترهق روحك وتبخسها حقها حتى تهلكها..

المرونة والتنازل الطوعي من سمات من يملك نفسه.. لكن من حقك أن تتمسك باحتياجاتك المهمة.. من حقك أن تصر على ما تريده إذا دعت الضرورة.. ألّا تكون دائماً الطرف المتنازل عن حقه.. التوازن هو كلمة السر!

لا يبهرك الزحام حولك.. ولا كثرة الراغبين في ودك.. إن كانوا كلهم نسخاً مكررة ممن يحتاجك.. ويطالبك.. ويأخذ منك.. ويستهلكك.. فأنت وحيد وإن لم تدرِ!

وستعي ذلك عندما تنكسر روحك وتتمرد عليك فتضيق عليك الأرض بما رحبت.. وتتوقف عن العطاء مجبراً.. فلا تجد لك عوناً.. وتجد نفسك "مُطالَباً" بما اعتدت أن تهبه.. مُلاماً على "تقصيرك".. "مُحاسَباً" على وقتك الذي أنت في أمس الحاجة إليه لمداواة نفسك!

تحتاج لشخص واحد على الأقل "يريدك" دون أن يحتاج منك شيئاً.. لا مأرب له في مالك أو جاهك أو وقتك أو اسمك أو منصبك أو نجاحك أو تميزك أو حتى اهتمامك.. شخص واحد يُقدِّرك لأنك أنت.. يسمعك في الصمت.. يفهمك دون شرح.. يسعد بنجاحك دون غيرة.. يساندك دون طلب.. وجودك في حياته كافٍ بلا أي غرض آخر.. يفهمك إن ابتعدت عن الدنيا.. يعذرك وإن اعتزلته هو نفسه.. هو بألفٍ ممن يتزاحمون حولك سعياً وراء ما يحتاجونه منك.. فإن أُعطوا رَضوا وإن مُنِعوا سَخطوا..

إن لم تكن أنت هذا الشخص.. لكنك في دائرته.. لا تُصدق أنه لا يحتاج لأحد.. وإن قال ذلك.. أو بدا لك ذلك.. ففي نقاط قوته يَكمُن ضَعفه.. وكل ميزة عنده تنطوي على عيب قاتل.. وما يحتاجه من الناس نادِر كَنُدرة شخصِه.. اختلافه مِنحة ومِحنة.. للحياة سنن.. لا أحد كامل.. ولا أحد مُستغني..

ستكون الأكثر حظًّا فيمن حوله إن اجتهدت فتكن له كما هو لك.. فرصة ذهبية لتكون شخصاً مميزاً إنْ كنت قادراً على العطاء والبذل.. فالمجاراة في العطاء بلا غرض ترفع من شأن الإنسان عند الله وبين الناس.. وصحبة المتكافئين الأخيار تدوم ما دام العمر وهي كنزٌ لا يُقدر بثمن..

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.