المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

سهى جاد Headshot

عن الحب والتعلق

تم النشر: تم التحديث:

على هامش الاحتفالات بعيد الحب، قرأت قصة حقيقية عن سيدة صارحها خطيبها قبل زفافهما بأيام قليلة أنه خانها.. فقررتْ أن تكتم الأمر وتسامحه وأن تُكمل الزواج! وقبل مرور العام الأول على زفافهما ضبطته متلبساً بالخيانة.. وللمرة الثانية قررت أن تحافظ على الحياة الزوجية فسامحته وكتمت الأمر عن الأهل.. وحاولت أن تصلح من حاله مدة عامين.. ولم يحدث أي تحسن فانفصلا.. ثم أضاعت من عمرها أربعة أعوام لتستعيد نفسها وتُشفى من ألم التجربة..

السؤال الذي يطرح نفسه، لماذا قبلت الزواج من رجل صارحها أنه خانها قبل الزواج؟! ولماذا استمرت بعد تكرار الخيانة؟!

يُسرع الناس بإقحام الحب في مثل هذه الأحوال على أنه السبب.. وتُمنح السيدة تاج التضحية والحب "اللامشروط".. فيقال لأنها تحبه تحملت.. ويقال لمن تواجه موقفاً مشابهاً أن عليها أن تتحمل لو كانت تحبه!

أختلف مع هذا الرأي.. لا أرى السيدة امرأة محبة.. فمن يحب حقًّا لا يتصور الخيانة مجرد تصور.. ومن المستحيل أن يقبلها ويسامح فيها مرة ثم مرات! استمرت لأنها متعلقة به، وتخاف عواقب الانفصال عنه.. وفاق تعلقها به احترامها لعهود إذا كُسرت صار الحب كذبة.. فلو أحبها فعلاً.. ما استطاع خيانتها مرة ومرات.. ولو أحبته ما تحملت البقاء معه برغم الخيانة وأضاعت من عمرها سنوات هرباً من مواجهة واقع لم تستطع الهروب منه في نهاية الأمر!

أسوأ ما في الخوف أنه يشلُّ التفكير، فنطيل الوقوف أمام الألم عاجزين عن اتخاذ قرار.. وأكثر ما نخشاه ونهابه هو ما تعرضنا له من قبل واختبرنا ألمه.. وترك فينا أثراً لا يُمحى.. ومهما قلنا إننا تعافينا أو توهمنا ذلك.. يظل الألم مختبئاً في مكان ما بداخلنا.. متربصاً أن تتشابه الظروف ليطل برأسه ليذكرنا بما مضى ويدق أجراس الخوف فينا..

وأظن أن في حياة هذه السيدة حادثة تخلٍّ لم تتصالح معها بعد ولم تتخطَّها.. فتركت فيها هذا الضعف والخوف من خيار الانفصال حتى عندما يكون الاختيار الأصوب..

أصبحت المعاني مقلوبة.. وصار الكثيرون عالقين في سرابات وهمية.. لا يعرفون هل ما يبقيهم سويًّا هو الحب أم الاحتياج والخوف؟ لا نجاة من المتاهة الشعورية إلا بالصدق مع النفس وحسن الإنصات لها قبل أي شيء آخر.. ففهم الإنسان لمشاعره وقدرته على ربطها بما مر به في حياته ولا يعرفه غيره.. يساعده على تفسيرها وفهمها وتوصيفها، وهو من أهم خطوات التعامل معها واستيعابها بعيداً عن القوالب الجاهزة التي نُعَلِّب فيها مشاعرنا لندفع عن أنفسنا عبء البحث في صناديق أغلقناها بداخلنا.. وألقينا بمفاتيحها في هوة النسيان.. هرباً منها..

لا حب إذا كانت رياح الشك أو الغيرة أو القلق أو الخوف تعصف بكِ أو به.. لا حب إذا كنت لا تثقين به أو لا يثق بك.. لا حب بدون شعور متبادل بالأمان.. لا حب إذا كنت تشعر بالقلق في وجوده أو يعانى القلق في وجودك.. ولا يحبك من يؤلمك أو تؤلمه عمداً.. كل هذه المشاعر قرينة الخوف والتعلق.. والحب منها بريء..

في التعلق يستحيل علينا تصور أن نترك من نحبهم.. أو نُسلِّم بأنهم فارقونا.. يملأنا الخوف أننا بدونهم لا شيء.. نخشى إن رحلوا أن تهجرنا السعادة إلى الأبد.. يستبد بنا الخوف من المجهول بعدهم.. نتخذ من علاقتنا بهم هوية لنا.. فنتعلق بهم ولا نرى حياة بدونهم!

في الحب نظل قادرين على تمييز الصواب والخطأ.. والمكرمة والمذمة.. والعيب والميزة.. وتسامح.. وتنصح.. وتعتذر.. وتتعلم.. وتصبر.. وتداوي.. وترمم.. ويكون لك كل ذلك من الآخر.. دون طلب.. مرآة الحب ليست عمياء كما يشاع.. على العكس مرآة الحب تعكس حال الآخر بدقة بحكم القرب والاهتمام.. المرايا العمياء عماها اختياري.. ويشير إلى أن هناك شيئاً ما خطأ.. ترواغ النفس لتتجاهله باسم الحب.. ولا تخدع إلا نفسها!

الحب سماؤه بلا حدود.. ودنياه رحبة.. لا مطالبات في الحب.. ولا حب بغير عطاء.. والسعادة في العطاء المتبادل.. هو أسمى كثيراً من التعلق المبني على الاحتياج.. فلا يهب الحب إلا من يحب نفسه ويحترمها وفي تصالح معها.. من لا ينتظر آخر ليمنحه السعادة.. ويطالبه بأن يكمل نقصه.. أو يمنحه القبول.. فالحب أن تعطي.. لا أن تأخذ أو تطالب.. ولا يعطي الإنسان إلا إذا ملك.. ولا يعطي إلا مما ملك..

حتى الفراق لا ينهي الحب.. هو خيار مؤلم لكنه لا ينهي الحب.. فقد يرحل من نحب ويبقى الحب فى القلب أبديًّا يذكرنا بهم.. ألا يرحل الأحبة بالموت.. ويظل حبهم باقياً ما حيينا؟!

ولا يعني الفراق نهاية الاهتمام.. على العكس، ربما تفارق لأنك تهتم جدًّا.. قد تفارق لأن مصلحة الآخر أهم من أنانيتك.. أو لأن بقاءك يضر ولا ينفع.. والحياة أكبر كثيراً من شخصين.. ولا يُطرح ذلك ولا يكون وارداً إلا عندما يصدق الحب فعلاً..

الحب من أثمن المشاعر وأسماها.. لا يناله إلا من يمنحه.. ولا يمنحه إلا من ملكه.. فاجتهد في غرس زهوره بداخلك.. قبل أن تبحث عنه خارجك.. انظر بداخل نفسك.. أطفئ حرائقها.. تقبل تلك الأجزاء التي لا تعجبك فيها.. تصالح معها.. تعامل معها بالرحمة.. داوِها حتى تُشفى.. وتسامح مع ما مضى.. لتتحرر من أسر الألم.. وتقف على قدميك حرًّا.. لتمتلئ ينابيع الحب والتسامح والقبول في روحك.. بما يكفيك ويفيض فتملك ما تهبه لآخر.. ولا يكون وجودك معه وجود الاحتياج والتعلق.. بل وجود الاختيار برغم الاستغناء.. ويكون عطاؤك له خالصاً بلا انتظار لمقابل.. علاقة تسعدك.. ولا تشقيك.. تملك فيها زمام نفسك.. جناحك قادر أن يحلق بك.. ولا تخشى الطيران وحيداً.. ومع ذلك تأنس به وتختار جواره..

الموت حق.. والسفر وارد.. وتغير القلوب جائز.. ويبقي الحب ما بقيت عهوده.. فأحِب ولا تتعلق.. وضَعِ الإنسان مهما بلغت مكانته عِندك في مكانة الإنسان.. وأعلم أن التعلق لا يجوز بغير الله تعالى..

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.