المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

سهى جاد Headshot

ماذا يجري في "معمل 8" بالفيسبوك؟

تم النشر: تم التحديث:

2017-05-20-1495291699-3780994-.png

في مؤتمر مطوري الفيسبوك الثامن الذي عُقد منتصف أبريل/نيسان الماضي، كشف فيه رئيس مجلس إدارة فيسبوك، مارك زوكربيرغ، عن المبنى المسمى "معمل 8" وما يجري فيه. بدايةً، الرقم 8 هو عدد الحروف المكونة لكلمة فيسبوك بالإنكليزية ويتم العمل في هذا المبنى على تطورات جذرية في الفيسبوك تحت إشراف ريجينا دوغان التي أعلن زوكربيرغ انتقالها من إدارة قسم المشروعات المتطورة في جوجل إلى فيسبوك.

صرح زوكربيرغ أن مهمة العاملين بهذا المبنى هو اختراع "أجهزة مستحيلة" تخدم تكنولوجيات دمج الواقع بالخيال، والذكاء الاصطناعي، والتواصل. لتحقيق ذلك، اقتنص زوكربيرغ كوكبة من المتخصصين اللامعين من شركات آبل، موتورلا، جوجل وغيرهم من نجوم قطاع التكنولوجيا.

بعد المؤتمر بعدة أيام، صرحت ريجينا بأن فريق العمل يعكف على العمل في مشروعين؛ أولهما جهاز يتيح التواصل المباشر بين الأفكار والحاسب من دون كتابة أو إملاء صوتي، والثاني يترجم اهتزازات البشرة إلى كلمات مناسبة ويرسلها للحاسب!

حدد زوكربيرغ للمشروع الأول مهلة زمنية قدرها عامان، ويُتوقع باستخدامه أن يصبح بإمكان الإنسان نقل 100 كلمة في الدقيقة إلى الحاسب بمجرد التفكير فيما نريد قوله دون كتابته، ويعد ذلك أسرع من الكتابة بـ5 أضعاف. سيعمل الجهاز بتحسس مراكز "الحديث" تلك التي تنشط عندما نود "التفوه" بشيء ما ثم ترسل تلك المعلومات إلى الحاسب كما يحدث عند استخدام تقنيات الإملاء على الحاسب. فبدلاً من استخدام الصوت كمدخلات للبرنامج، سيتم استخدام النبضات العصبية لنقل البيانات من المخ إلى الحاسب مباشرة.

التحدي الأكبر أمام هذا المشروع، أن تنفيذه يستدعي زرع شريحة في عقل المستخدم، وهو ما يسعى العاملون في معمل 8 على تجنُّبه والاستعاضة عنه بمجسات خارجية يتم ارتداؤها، وتنتقل بها الأفكار من العقل إلى الحاسب.

بالطبع، هناك بُعد أخلاقي مقلق لهذا النوع من التطويرات، فهذا النوع من التكنولوجيا يضرب "خصوصية" المستخدم في مقتل باستباحة أفكاره!

ورغم الغرض المعلن من هذا التطوير، فإنه من الممكن استخدامها في التلصص على الأفكار عنوة، إلى جانب خطورة وقوع هذه التقنيات في يد من يسيء استخدامها.

في هذا الصدد، يدافع العاملون في معمل 8 عن هذه التطويرات بأنها معنيَّة بقراءةِ ما "قررت" أن تقوله وليس كل ما يدور في رأسك من أفكار.

ويظل السؤال: ما أهمية أن "نكلم" الفيسبوك من عقولنا مباشرة؟! يقول المختصون إن بإمكان العقل معالجة مقدار تيرابايت من المعلومات في الثانية الواحدة، وهي سعة توازي سعة عرض 40 فيلماً بدقة عالية. فسرعة الأفكار تفوق سرعة التحدث أضعافاً مضاعفة.

يشارك في هذا المشروع 60 مهندساً وعالماً من عدة جامعات، فالأمر لن يقتصر على استخدام هذه التقنية في الفيسبوك فقط، فمن المتوقع استخدامها في تطبيقات أخرى كالتحكم في تحريك الأطراف الاصطناعية، أو في تشغيل المنازل الذكية؛ فعلى سبيل المثال عندما يطرح للمستخدم سؤالاً هل تريد تخفيض الإضاءة فيمكنه الإجابة دون كلمات أو كتابة ويتم تنفيذ الأمر فوراً!

المشروع الثاني ليس له مدى زمني محدد ولا نهاية معلنة حتى الآن ويهدف إلى نقل الكلمات من خلال الموجات التي تمس البشرة بطريقة تشبه طريقة بريل التي يستخدمها المكفوفون للقراءة.

وتروج "دوغان" للتقنيات الجديدة قائلةً: "استخدمنا الهواتف الجوالة في التواصل مع من يفصلنا عنهم أميالاً وأميال، والتقنيات المقترحة ستُحررنا من أَسر الهواتف وتعود بنا إلى غرفنا ومن نحيا معهم".

أرى في هذا تضليلاً متعمَّداً، فهل المشكلة في الهاتف كأداة أم في عقولنا وأفكارنا المشغولة بالفيسبوك واستخدامه الزائد على الحد؟!

درست البرمجة بلغات الذكاء الاصطناعي في أوائل التسعينات وكانت تُقدم لنا وقتها في إطار التطبيقات الطبية؛ كتشخيص الأمراض وإجراء التجارب الافتراضية في مجالات العلوم المختلفة، ولم يكن استخدامها في التواصل مطروحاً. يزعجني تطورها في مجال التواصل كمهمة "إنسانية" شخصية بالأساس وبطريقة تتصادم مع القيم الأخلاقية، واختراقها "بشرية" الإنسان قبل خصوصيته تدريجياً.

يزعجني أكثر حالة "الاستسلام" التام من أغلب "المستخدمين"، الذين هم في واقع الأمر "مُستخدَمين" بلا أجر.

دعني أذكرك بصورة زوكربيرغ التي انتشرت من فترة وأثارت ضجة كبيرة وقد وضع شريطاً لاصقاً على الكاميرا والميكروفون في حاسبه؛ لندرك خطورة استخدام الأجهزة التي صارت لصيقة بنا وكأنها صارت عضواً أُضيف إلى أجسادنا!

وأدعوك -عزيزي القارئ- لتأمل الصورة أعلى المقال والتي تبدو لي صورة "قطيع" مستسلم لرجل واحد لا يستعيض عن الواقع بنظارة تنقله إلى عالم الخيال.

كن مستخدماً ذكياً واعياً. لا تنبهر بكل جديد دون تفكر في "فائدته" الحقيقية لك قبل أضراره. لا تستعض بالخيال عن الواقع، ولا تستبدل أصدقاءك بشخصيات افتراضية مرسومة بعناية لا تعرف عنها شيئاً. لا تستعض عن التواصل مع أسرتك بأن تكون متصلاً بالإنترنت 24 ساعة. لا تهرب مما في حياتك من متاعب بالانغماس في حياة افتراضية. لا تكن أسيراً للتقنيات ولا تقبل أن تكون فأر تجارب مجانياً في معمل 8 التابع للفيسبوك أو أي معمل آخر!

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.