المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

سفيان الناصري Headshot

كيف حالك يا أنا؟

تم النشر: تم التحديث:

في حياتنا تتمركز جل اهتماماتنا حول فهم كل الموجودات والتأقلم معها بشتى تفاصيلها.

حتى وأنا جالس رفقة مجموعة أصدقاء أجدني منشغلاً بكيف أبدو هكذا وأتكلم هكذا وأجعل من نفسي الإنسان الذي عليه أن يظهر هكذا وهكذا حتى يسترضي الجميع.

في أبسط الأوقات التي يكفينا الشعور بزمكانها والانتشاء بالكينونة فيها ننشغل نحن بتفاصيل تموضعنا فيها وما مدى تبلورنا وإشعاعنا بالنسبة للآخر.

لدرجة أنك قد تكون في أرقى وأجمل الأماكن، فتسلل إلى دورة المياه حتى؛ لتسترجع نَفَس شخصيتك العادي التلقائي، وتريح ملامح وجهك وعضلات كتفك ونبرة صوتك، تنزع ثقل القناع الذي كنت تتقمصه وأنت مع الآخرين؛ لتتسلل هبات الحرية داخل مسامات جلدك، فتعود نِحلة الآخر لتدق جرس انتهاء مهلة الراحة والعودة لحمل عدة الميدان.. القناع والجلسة والنبرة.

كلها تمثلات وسيناريوهات ثابتة نعيشها في مجتمعاتنا نتقاسمها جميعاً، نتباين فقط في مستوى اعترافنا بها من أحد إلى آخر.

جهد وعناء لو خصصنا جزءاً ولو ضئيلاً منه لذواتنا كل على حدة، حتى نغوص في دواخلنا ذلك الغوص التام الذي يصل حد التجرد من أي حد، يجعلنا نطعن في أحاسيسنا ونمحص عما تحتاج نفوسنا لأن تكون عليه، غوص نتصالح فيه مع الشخص الذي طالما حمّلناه ما ليس منوطاً به تحمله في الأصل، شخص طالما كنت تطلب منه التطبع القاسي مع أي مستجد، طالما ضغطت عليه أن يبتسم حينما يحزن، وأن يحابي حينما يكره، وأن يتكلم حينما يحتاج إلى الصمت.

طالما رميت به في دكة البدلاء دون اعتبار تنتظر فيه الوقت المناسب حتى تُلبسه الشكل والمقاس المناسب لتنافس به وتُؤسس به جلسة ما تسترضي بها آخرين.

إنه شخص لا أكف عن تخيله هزيلاً كئيباً سجين زنزانة الفراغ مكبلاً بسلاسل التخلي والإهمال... يرقب في رجاء بِصيص نور ليبدو من نافذة، ذلك النور الذي لا يجده سوى في الامتثال لأمر صاحبه في أن يلملم نفسه، ويبتسم في موقف يكون فيه هو النائب والمنقذ، رغم أن ما يعانيه هو في الأصل.

فلنعد لنتصالح وذلك الشخص الذي بداخلنا، الشخص الذي ما زال وسيزال ينتظرنا لآخر يوم، يترقب أن نلتفت إليه كل يوم، نستفتيه عما يحب وما يكره، ما يريد وما لا يريد؛ لأنك في اليوم الذي سيتخلى عنك فيه الجميع -وهذا طبيعي- لن تجد فيه سوى هذا الشخص الذي هو أنت، ولن تجد فيه إلا ما منحته إياه سابقاً؛ لذا فلتختَر من الآن ما تريد أن تجعله عليه.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.