المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

سيد بوي إسلم  Headshot

الدولة المدنية.. الحلم البعيد المنال

تم النشر: تم التحديث:

لم يكن سقوط الدولة العثمانية ونهاية الاستعمار سوى بداية لانبثاق تصور جديد للدولة لم يعهده العرب في إسلاميتهم من قبل، بداية لحلم سيحرر روح العقلانيين العرب من سجن عصر انحطاطي لأصولية إسلامية ظلامية جعلت بينها وبين العقل حجاباً مستوراً.

فما إن انطلقت صرخة الاستقلال حتى مخر عباب البحر التنويري مكونات عقلانية متعددة اختلفت شخصياتها وآلياتها العملية، وإن كانت تشترك كلها في هدف واحد، وهو صياغة نموذج حضاري مدني يرقى بشعوب هذه المنطقة، المغلوبة على أمرها، إلى مصاف المجتمعات المتقدمة، فتشكل لنا في الواقع فسطاطان من العقلانيين والتنويريين انفردوا بالأدوار الرئيسية، واستطاعوا أن يشكلوا إلى حد ما خصماً مزعجاً لدعاة الأصولية وأصحاب العقائد الدوغمائية المتحجرة، فكانت هنالك فرقة مالت إلى المسايرة والمهادنة، وفضلت خوض المعركة الإصلاحية من داخل المنظومة التراثية، فعمدت إلى تفكيك مقولات الأصوليين بنفس الآلية التي استخدمتها الأصولية الإسلامية في إقناع العقل الإسلامي بشرعية الدولة في الإسلام.

ولذا دائماً ما نجدهم ينطلقون من سؤال: هل الإسلام دين ودولة؟ ثم يشرعون في إعداد الصياغات له؛ لكي يجد المقابل لأن يجاب عنه من داخل التجربة الحضارية الإسلامية، وهو ما نجده عند المفكر المغربي الراحل محمد عابد الجابري، ومن حذا حذوه.

وعلى الضفة المقابلة الفرقة الأخرى التي فضلت المصارحة واللعب على المكشوف، فمالت إلى تطبيق مرجعيات صارمة على النص القرآني ونقده، من أجل رفع القداسة عنه كمدخل لفك الانسداد التاريخي، والانغلاق اللاهوتي، وكمحاولة لزعزعة النظرية الأصولية، وإحباط مشروعها الشمولي الذي يهدد ما تبقى متماسكاً من السلم الاجتماعي في بلدان هذه المنطقة، ولنا هنا في محمد أركون، ومن سار على نهجه، أسوة حسنة.

إلا أنه في الحقيقة ورغم كل هذه الجهود التنويرية التي بذلت -ولا تزال- في السعي من أجل تقويض المرجعية التراثية، لا يزال تأثير الحداثة ضعيفاً جداً مقارنة بالمكان والهيبة التي تحتلها الآن الأصولية الإسلامية في المجتمعات العربية، بل ويكاد الحلم بإنشاء دولة مدنية أو علمانية، -وإن كنت أفضل الأولى على الثانية بسبب ما واجهته من تشويه لدي الوعي العربي- يتلاشى شيئاً فشيئا؛ نظراً لتغلغل الفكر الأصولي في أعماق الوعي أو اللاوعي -إن صح التعبير- العربي الإسلامي والدور الكبير الذي يلعبه في مواجهة أي حركة تحررية أو نهضوية من شأنها تقويض مرجعيته، وكذا الدور الذي تلعبه الجهات الخارجية والدول الأجنبية في إحباط أي عملية نهضوية في المنطقة، من شأنها الرفع من منسوب الوعي لدى الإنسان العربي، وذلك لحاجة في نفس الغرب بأن تظل شعوب هذه المنطقة خاضعة لأنظمة شمولية دينية وسياسية.

لم تكن الثورات العربية، الضخمة سياسياً، القزمة فكرياً، سوى دليل ساطع على أن الحفر الأركيولوجي في الأعماق لم يحدث بعد، وأن الشعوب العربية على أتم الاستعداد للرجوع والانكفاء في أحضان الدين والأيديولوجيات الأصولية عندما تشعر بأن منطقة الحقائق الكبرى خاصتها تتعرض للخطر بالحفر والتعرية والفضيحة.

يوماً بعد يوم تتسع دائرة الظلام ويبتعد حلمنا شيئاً فشيئاً، تاركاً هذه الشعوب بين أنياب وحش لا يرى في الإنسان فضيلة، الدولة عنده دين، والدين عنده دولة، وما بين هذا وذاك يقف مسيحي على مفترق طرق؛ إما أن يختار الدخول في الدين، أو يدفع الجزية عن يد وهو صاغر.

يوماً بعد يوم أزداد اقتناعاً أن عجلة التاريخ هنا تسير ببطء شديد، والحلم بدول مدنية تكون قوانينها ومؤسساتها موجهة لجميع المواطنين، مسيحيين كانوا أو مسلمين أو يهود، مؤمنين كانوا أو لاأدرين، أو أمازيغ، أو كرداً أو أيزيديين، دول تحترم الإنسان، وتمنحه كامل حقوقه، الحلم بدول كهذه يبدو أنه الآن غدا أضغاث أحلام.

فإلى متى سنبقى مشتتين بخرائط التيه هذه؟ وإلى متى سيبقى ذلك الحلم معلقاً في فراغ، بعيد المنال؟

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.