المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

شروق عبد النعيم Headshot

واأسفي !

تم النشر: تم التحديث:

في حديث قصير بيني وبين إحدى أستاذاتي بالجامعة التي ما زالت في ريعان شبابها ولا تكبرني كثيراً، كنت أخبرها بأنني مهتمة بالكتابة والتدوين، فأظهرت إعجابها بالطلاب الذين يملكون موهبة على العموم، وطلبت مني أن أرسل إليها بعض مقالاتي. ثم سألتني: "بأي لغة تكتبين؟"، فأخبرتها بأن معظم كتاباتي بالعربية الفُصحى. وهنا، ظهر على وجهها الامتعاض وقلة الحيلة وكأنها تخبرني بأنها ستواجه صعوبة ما في فهم تلك المقالات المكتوبة بلغة عجيبة غير مفهومة، اللغة العربية!

حاولت أن أبسط لها الأمر بعض الشيء وأطمئنها بأنني أكتب بلغة بسيطة لا تعقيد فيها، وأن أسلوب كتاباتي بالطبع لم يصل بعد إلى المصطلحات المستخدمة في قصائد عنترة بن شداد أو شعراء الجاهلية على العموم. لكنني حين تركتها، تساءلت: "لِمَ أحاول تبسيط ما هو طبيعي ولا تعقيد فيه؟!".

الحقيقة أنني كثيراً ما صرت ألحظ الجهل باللغة العربية في محيط جيلي، وبالطبع في الأجيال الأصغر. فصار من المُضحك -بالنسبة إليهم، والعادي جداً- أن يُعبر أحدهم عن جهله بكتابة كلمات باللغة العربية الفصحى أو أن تسألك إحداهن وهي في سن العشرينات، ما إذا كانت كلمة "لكن" تحمل ألفاً في المنتصف أم لا!

صار من الطبيعي جداً والمعقول، أن يخجل الشباب من مراسلة بعضهم بعضاً باللغة العربية وكأن هذا يعد دليلاً على تخلفهم وجهلهم! وأصبحت الحوارات الكلامية بين الأصدقاء تدور بالإنكليزية بينما هم على أرض مصرية والتي تعد حتى الآن، حسب معلوماتي الضئيلة، دولة عربية ولغتها "العربية".

صار من الغريب أن تجد أحدهم يستمع إلى أغانٍ عربية، فهي أصبحت دون المستوى فقط لكونها عربية! وبلا شك، ستجد أطفالاً في محيط عائلتك لم يتجاوزوا سن السابعة بعد، يصعب عليهم عدّ الأرقام باللغة العربية أو حتى التعرف على أشكالها. ومن ورائهم أم وأب يتفاخران بالأموال الباهظة التي يدفعانها في سبيل تعليم أولادهما، الجُهلاء بأصولهم العربية.

إنه لمن المُحزن أن يصل هذا الجهل باللغة ومفرداتها وكتابتها إلى هذا الحد المُخزي الذي يجعلنا نلقى شباباً؛ بل وأساتذة جامعة يلقون صعوبة في فهم اللغة العربية أو التعبير بها. وفي الحقيقة، إنني لم أستوعب حتى الآن ما المخجل في استخدام لغة ما دون غيرها؟! ما المُخجل في الحديث باللغة العربية والكتابة بها وسط محيط مصري عربي أصيل؟!

لم أستوعب مُطلقاً المبرر وراء حديث أم مع أولادها بالإنكليزية طوال الوقت إلى الحد الذي يجعلهم يتعجبون لسماع كلمات عربية! لم أستوعب حتى الآن عدم شعور هؤلاء بوجود أي مشكلة واعتقادهم المؤسف أن جهلهم بلغتهم الأساسية أمر مُضحك ودليل على مدى ثقافتهم الواسعة! والنتيجة الحتمية، هي ضياع هويتنا رويداً رويداً إلى أن نصير يوماً ما عدماً ومسخاً مُشوهاً غير معروف الملامح.

فما الذي تتوقعونه من شعوب باتت تتفاخر بجهلها وبنفورها من أبسط عناصر هويتها كاللغة؟! ما الذي تتوقعونه من شعوب تجد صعوبة بالغة في قراءة كتاب باللغة العربية وأطفال لا يعلمون من تلك اللغة إلا أقل القليل؟! فما الجدوى التي يُمكن أن تخرج من شعوب تستهزئ بمن لا يجيدون النطق بالإنكليزية ولا يجدون أدنى مشكلة في الجهل باللغة العربية؟! هل هذه شعوب قادرة حتى على قراءة الكتب المقدسة، كالقرآن والإنجيل، المكتوبة بالعربية؟!

أظن أن معايير هذا المجتمع باتت مضطربة إلى حد مؤسف وتزداد اضطراباً من جيل إلى آخر، فلا داعي للاندهاش إذا ما وجدنا بعد سنواتٍ كثيرة أجيالاً لا تعرف الحروف الأبجدية العربية من الأساس!

ولا داعي للتعجب من أحوال المجتمعات العربية التي تصير من سيئ إلى أسوأ كل يوم. فإنه من الصعب أن نُحتَرَم من قِبل شعوب تعتز بهويتها بينما نحن نود دفن هويتنا في قبور عميقة لكي لا ترى شمساً أبداً.

إننا نركض تجاه الهاوية المحتومة بلا حساب أو تدبير، ننظر إلى أمر هويتنا بسذاجة وبساطة مبالغ فيهما إلى أن صرنا لا نستطيع وضع تعريف للهوية المصرية من الأساس. صرنا حتى نجد صعوبة في التفريق بين كلمتي "الهاوية" و"الهوية" في العبارات السابقة، والتسليم بالاعتقاد أن هذا خطأ لغوي من الكاتب.

دائماً ما كان يختتم الشاعر الراحل صلاح جاهين قصائده بكلمة "وعجبي"، لكنني أظنه كان سيستبدلها بـ"وأسفي" لو كان عايَش ما نحن عليه الآن.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.