المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

شروق عبد النعيم Headshot

عازفة الحروف

تم النشر: تم التحديث:

وهج ضوء أصفر خافت، ولحن فرنسي قديم يحلو لها كلما أرادت أن تكتب، فتجلس على مكتب صغير موضوع أمام شُرفتها، كانت مؤمنة أن النظر إلى ذلك الفراغ الواسع يُتيح لها فرصة أفضل للتفكير وللتحليق في سماء الخيال أكثر وأكثر، كانت تُحب تلك الطقوس بتفاصيلها الصغيرة أكثر من أي شيء آخر في يومها، فتلك التفاصيل البسيطة كانت تعني لها الكثير وتبعث في قلبها الاطمئنان والشعور بالرضا، وقليلاً ما كانت تشعر بهما، ترفع شعرها إلى أعلى وتمنعه من الانسدال على كتفيها كأنما هي مقبلة على مُهمة قوية تحتاج إلى كل تركيزها وعدم انشغالها بشيء سواها، ثم تقوم بفتح "اللاب توب" الخاص بها، وتبدأ أصابعها في الانتقال بين الأحرف كعازفة بيانو في حفل موسيقيٍّ كبير، تنتقل من هذا الحرف إلى ذاك، وتشعر بداخلها أن الأحرف تبعث لها ألحاناً مثلها كمثل اللحن الفرنسي الذي تستمع إليه، بل أكثر رقة وإحساساً، وتكتب:

"يا صديقي.. هل توافقني الرأي على أن قُدرتنا على الشعور بالحزن تتناقص تدريجياً كلما ازداد شعورنا به في الماضي؟ سأشرح لك الأمر بوضوح أكثر.. إنني صرت أرى الحزن كصندوق يحوي الكثير جداً من الرمال، كلما مررنا بمحنة أو داعٍ للألم تخرج تلك الرمال من صندوقها وتصبح عاصفة قوية نظن أن لا مهرب منها أبداً، وأنها ستظل تُشوش رؤيتنا وتخنق أنفاسنا إلى أن ننتهي ونفقد القدرة على المقاومة، لكننا في الواقع نقاوم ونقاوم؛ لأن بداخلنا رغبة في الحياة مهما بدا علينا الاستسلام للحزن والوجع، فهناك بقعة مُنيرة في أنفسنا تأبى أن تتلاشى أو أن يحل محلها ظلام دامس، ويوم أن نتمكن من تجاوز العاصفة، يكون ذلك الصندوق قد فرغ من قدر مُعين من الرمال، لن يعود إليه أبداً.
وهكذا يا صديقي، فكلما ازداد ألمك ازدادت رمال العاصفة، وفي الوقت ذاته فرغ جزء أكبر من صندوق الحزن.. فلا أدري إن كان عليك التَّبسُّم لذلك الخبر أم الشعور بالخوف، فإنهاء صندوقك مشروط بعواصف كثيفة مُرهقة للنفس، لكن على أي حال دعني أحدثك عن هذه اللحظة بالذات يا صديقي، دعنا ننظر إلى تلك اللحظة التي نعيشها الآن معاً وقد فرغ صندوقنا أخيراً، فلم نكن ندري أنه قد فرغ إلا حين تعرضنا لأزمة جديدة من أزمات الحياة، ولم نجد عواصف ولم نجد رمالاً، ومهما انتظرنا أو تظاهرنا بأن العاصفة قد حلّت، هي في الواقع أخف وطأة من كل ما سبق؛ لأن العاصفة صارت خالية من الرمال فلم يعد لها تأثير مُدمر كذي قبل.

ودعني يا صديقي أهنئ نفسي وإياك؛ لأننا تمكنّا من الصمود أمامه، ألا تذكر حين أخبرتك أنه سينهي علينا قبل أن ينتهي؟ ألا تذكر حين أخبرتك أنه لن يفرغ أبداً وأن رماله تتزايد ولا تقل مهما اشتدت بنا العواصف؟ وها نحن الآن، قادرون على التنفس، وقادرون على استكمال السير دون أن تعيقنا تلك الرمال المتطايرة، لقد فرغ صندوق الحزن قبل أن تفرغ أرواحنا من المقاومة، ففي النهاية نحن من قمنا بهزيمته، وليس العكس، وهذا يعد انتصاراً لا يُستهان به.

أعلم أنك ما زلتَ قادراً على الشعور بالحزن تماماً كما أقدر أنا، ولا أعتقد أن الشعور بالحزن يمكن أن يتلاشى من روح الإنسان، ولكن شتّان بين الشعور بالحزن الآن وكل ما شعرنا به مُسبقاً، لم يعد الحزن شبحاً يطاردنا ويهددنا بالنهاية كلما صادفناه، لم تعد أرواحنا ضعيفة إلى الحد الذي يجعلها يقضي عليها، ولا أعلم إن كان ذلك بسبب كثرة ما مررنا به أم أنه بسبب النضج الذي يرتقي بابن آدم على مدار الزمن، ولكن في كلتا الحالتين، ما زالت لنا قلوب تنبض وترغب في الحياة، قلوب صارت أقوى من ذي قبل، ولم تعد تنهار كلما مرَّت بأزمة أو بكابوس طويل.

يا صديقي.. تلك المحنة التي نمر بها الآن وحدها من أثبتت لنا أن صندوق الحزن قد فرغ، فلا تخف، سنمضي معاً دون انهيار ودون استسلام، لا تخف؛ لأننا الآن وفي تلك اللحظة بالذات صرنا قادرين على هزيمة كل ما هو آتٍ كما قدرنا على هزيمة ذلك الصندوق".

ترفع أصابعها العازفة عن الحروف، ثم تنظر إلى الخلاء، تأخذ نفَساً عميقاً وتبتسم كأنما تأخذ قسطاً من الراحة عقب تأكّدها من الانتصار، فهكذا تفعل بها نشوة الكتابة، كانت تُحييها، وكانت هي بكلماتها تُحيي الكثيرين ممن يعجزون عن التعبير، كانت كلماتها سلاحها الوحيد في مواجهة الدنيا، ولم يخذلها أبداً.

وفي نهاية جلستها تلك أمسكت بقلمٍ مُلقى بجانبها ورسمت بكلماتها على ورقة بيضاء تقول "لا ينقصنا شيء يا صديقي ما دُمنا قادرين على الكتابة".

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.