المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

شروق عبد النعيم Headshot

تلاشت الإنسانية

تم النشر: تم التحديث:

في شتاء ديسمبر/ كانون الأول المُودِّع الذي يحمل معه طيات كل ما مررنا به خلال العام، يجلس هو كعادته مفترشاً هذا الرصيف، لا فرق بين عام مضى وآخر مقبل، ولا فرق بين صيفٍ وشتاء. فهذا الرصيف كان -وما زال- مكانه الذي يؤويه رغم أنه في الواقع لا يحميه من شيء يُذكر؛ بل يجعله مُتاحاً لكل أذى. لكن، ماذا عساه أن يفعل وهو الذي وجد نفسه فجأة في هذا المكان بلا مقدمات؟! يظن كل من يمر به أنه رجل مُسنٌّ غير واعٍ بالحال التي هو عليها، مجنون أو على أقل تقدير مُصاب بشتى الأمراض النفسية التي يمكن أن تصيب شخصاً في مثل وضعه.

لكن الأمر كان مُختلفاً بعض الشيء، فقد كان في الواقع يُشفق على جميعهم، يشفق عليهم وهو الرجل المُسنّ الذي يسكن بقعة قذرة على أحد أرصفة المدينة، لا سقف يحميه من غضب السموات، ولا حوائط تحول بينه وبين عواصف الزمن والهواء معاً. ففي الصيف، ترجُمه حرارة الشمس، وفي الشتاء يلعنه الصقيع. لم يكن يذكر جيداً ما الذي أتى به إلى هنا، أو ربما أنه لا يرغب في التذكر، يعلم أن مثله مثل حال الكثيرين، فهل من داعٍ لتذكر الأسباب إذا كانت النتيجة واحدة؟! ها هو مُلقىً هنا على ذلك الرصيف ولا ينقصه ألم التفكير في الأسباب، فلديه من أسباب الألم ما يكفيه.

لم يكن يعبأ بتلك الحياة ولا يهبها أي أهمية تماماً كما تُعامله، لذلك هو لم يفكر حتى في الانتحار وإنهاء حياته الميتة رغم أنه ما زال بوعيه كاملاً، ويدرك وضعه جيداً. لكنه فقط يظن أن فكرة الانتحار تعد تقديراً مبالغاً فيه لتلك الحياة التي لم تُقدره أبداً، فهي صارت بالنسبة إليه أقل قيمة من حتى التفكير في إنهائها. ولم يكن لقراره هذا أي دوافع دينية، فهو لا يعبأ بالدين أيضاً ولا يذكر منه شيئاً، وأي دين هذا الذي سيتذكره؟! وكيف له أن يحدد قيمة الأشياء والأديان إذا كانت قيمته هو صارت هباءً منثوراً؟!

لم يعد منتظراً أن ترأف به الحياة ذات يوم وفي الوقت ذاته هو ليس منتظراً لشبح الموت الذي سيُباغته فجأة ويرحمه من كل تلك المظالم التي تواجهه به الحياة يوماً بعد يوم. هو فقط يتنفس، وذلك أقصى فعل بات يشعر به، يعلم أنه ما زال هناك هواء يدخل رئتيه وآخر يخرج منها، وبات الشعور الوحيد الذي يشعر به بعدما فقد كل مشاعره، هو الشفقة! إنه يزدري ذلك العالم وهؤلاء البشر وليس ازدراء تعقبه كراهية؛ بل على النقيض إنه يُشفق عليهم ويرغب في مساعدتهم، لكن عقله الحي كان يخبره بأن هؤلاء صاروا أكثر من مرضى، ولا دواء لمرضهم.. سيظل هذا المرض يكبر ويتزايد وينتشر كسرطان مُدمر لم يتم اكتشافه بعد، ولن يتم اكتشافه أبداً.

والسبب وراء شفقته عليهم، كان في الحقيقة ليس إلا حزناً دفيناً واستنكاراً لما صار عليه العالم من قُبح. فقد كان ينظر لهؤلاء المارّة على رصيفه المتسخ القديم ويحملق في وجوههم؛ كي يستوعب تعبيراتهم التي لا يُحركها ساكن، كأنهم أشباح يتجولون في المدينة وليسوا بشراً من روح ودم. يمرون بجانبه وينظرون إليه ثم يكملون طريقهم بلا أي معالم مُتغيرة على وجوههم،
كأنهم مروا بحجر ضمن حجارة الرصيف، أو مروا بصندوق خشبي قديم يشغل حيزاً من الفراغ ليس أكثر!

كان يستنكر أنه حتى طابع الفضول لم يجد طريقاً إليهم، فهم يتصرفون كأن وجوده على هذا الرصيف ظاهرة طبيعية جداً لا تختلف كثيراً عن شروق الشمس كل يوم. فهم لم يشعروا أبداً بأن هناك مشكلة يجب أن يلتفتوا إليها أو أن هناك من يحتاج إلى الحياة كما يحتاجون هم. فلم يلتفتوا إليه أبداً وحتى إن التفت إليه أحد كان يلتفت إليه فقط حين يحل الشتاء وكأن وجوده بهذا الوضع في الصيف أمر طبيعي لا مشكلة فيه! كانوا حين يقفون أمامه متظاهرين بتقديم يد المساعدة لوضعه المُزري لا يتعدى الأمر بعضاً من الطعام الزائد على حاجتهم أو غطاء قديم مهترئ لم يكتفوا فقط باستعماله حتى يبلى ثم يتخلصون منه؛ بل طمعوا في ثواب التصدق به أيضاً، فنعيم الدنيا لم يعد يكفيهم ويُشبع أطماعهم اللانهائية!

كان وعيه الذي ما زال ينبض مُشفقاً على تلك الإنسانية التي سمع بها ذات يوم، ولكن لم يعد لها وجود في نفوس البشر من حوله، فمشكلتهم الوحيدة أصبحت عدم الشعور بمشكلة من الأساس. ولذلك، لم يعد يشعر بالحزن على نفسه مثلما يشعر بالحزن عليهم، فهو قد اعتاد ذلك الوضع المُهين؛ بل إن شعوره بالإهانة أو الظلم قد تلاشى بالفعل ولم يعد يباغته مطلقاً، لكن شعوره بالحزن عليهم لم ينطفئ. يخشى عليهم من موت المشاعر كما ماتت مشاعره هو وتلاشت مع مرور الزمن إلى أن أصبح حتى عاجزاً عن الشعور بالألم.

لم يتمنَّ لهم يوماً السعادة أو الرضا، كان يتمنى فقط أن يشعروا بالألم والكآبة، يتمنى أن يصيبهم الرعب والقلق، لعل تلك المشاعر توقظ فيهم إنسانيتهم من جديد. لعل تلك المشاعر السلبية تجعل منهم بشريين مرة أخرى بعد أن تحولوا جميعهم إلى كائنات غير إنسانية. لعل تلك المشاعر تخبرهم فقط بأنه لا يستحق الشفقة؛ بل أنفسهم هي التي تستحق كل شفقة ممكنة، ربما أخبرتهم تلك المشاعر بأن وعيه وإنسانيته ما زالا ينبضان بداخله كنبض القلب تماماً، فلينظروا هم ماذا حلّ بإنسانيتهم ووعيهم المُغيب الذي يرفض الإفاقة من موته الطويل.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.